البرنامج السياسي

مدخل

إنَّ تقييمَ منطقة الشرق الأوسط كمنطقة ثقافية قديمة, لا كمجموعة دول؛ قد يُفضي إلى نتائج أفضل معنى. فمهما يكن؛ فهوَّ يشكل مهد الحضارة الشرقية، والأرضية الأصيلة لظهور القوة المهيمنة للمدنية المركزية على مدارِ خمسة آلاف عام, وصاحب العشرة آلاف عام من العصر النيوليتي. لذا من غيرِ المتوقعِ نفاذُ هكذا تاريخ بسهولة, حتى ولو بات تابعاً لمدنيةٍ كأوروبا انتزعت منهُ كلَّ تراكماته الثقافية المادية والمعنوية.

فثمةَ حقيقةٌ واقعةٌ تشيرُ إلى أن منطقة الشرق الأوسط تشهد حرباً عالميةً ثالثة على نحوٍ خاصٍ بها. لكن هذه الحرب تتميز بخاصيات مختلفة عن الأبعاد العسكرية والسياسية الكلاسيكية. وإلى جانبِ صحة تعريفها بصراع الحضارات، إلا أنه لا يفسِّرُ مضمونها بالشكلِ الصحيح. حيثُ لا يكشفُ النقابُ على نحو كافٍ عن أبعادها التاريخية والاجتماعية. كذلك ثمَّةَ غموضٌ في تحديد الأطراف المعنية فيها، وفي أساليبها ومآربها. ورغم كِثرةِ التطرقِ إلى المخططات والمشاريع المتعددة فيها، إلا أنها الحربُ الأكثرَ عشوائية وافتقاراً للتخطيط، وكأنها تسيرُ من تلقاء نفسها، أو كأنها وجهاً لوجه أمام حربٍ تهدفُ إلى خلقِ الفوضى، لا غير.

إنَّ مجتمعَ الشرقِ الأوسطِ (ودولهِ) يُعَبِّرُ بكلِّ معنى الكلمة عن رُكامٍ متكدسٍ من المشاكل العالقة. فالمشاكل المتنوعة المكبوتة والمتراكمة منذ الماضي الغابر، قد تركت المجتمع مقطوع الأنفاس. أما الأنظمةُ المفروضةُ عليهِ من قِبَلِ النظام الرأسماليّ بغرض إيجاد الحلول لها، فقد أضحت بحدِّ ذاتِها منبعاً لخلق المشاكل بدلاً من حلها. فلا الدول المعنية قادرة على إيجاد الحل، ولا هي تفسحُ المجال للقوى المُمتلكة للحل – الداخلية منها والخارجية – بأن تقوم بدورها. إن تسمية المشاكل بأنها مجردُ أزمةٍ إسلامية، هو تعبيرٌ خاطئٌ للغاية. حيث ثمة ذهنياتٌ سائدةٌ تتخطى نِطاقَ الأديان التوحيدية، وتمتدُ بجذورها لتصلَ إلى العهد النيوليتي.

تشكلتْ الكثيرُ من النُّسُجِ والأنظمة الاجتماعية التي لا يُمكن تفسيرها بالظاهرة القومية. إذ تكاد كلُّ عائلة، وليس كلًّ عشيرة وحسب، تتضمنُ اختلاطاً وتعقيداً أشبهُ بمشكلة الدولة. تعاني الهوّةُ الشاسعةُ بينَ المرأة والرجل اغتراباً حاداً، بقدرِ ما تعانيه الهوَّةُ الكائنةُ بين المجتمع والدولة. وكأنه ثمة فوضى يعج فيها حشرٌ من الصُّمِّ والبُكمِ والعميان الذين لا يتفاهمون فيما بينهم، وقابعون في قاعِ برجِ بابل، مثلما تقول الأسطورة. وكأنَّ تلك الأسطورة انتعشت مرة أخرى في نفس المكان. لكن الخلل يتفاقم يوماً بعد يوم. فالصراعُ العربيُّ – اليهوديُّ المتبقي من أيام الفراعنة، لم يفقد من وتيرته شيئاً. كذلكَ تسيرُ الحملات المنظمة تجاهَ الكوتيين (الكرد) بنفس الهمّةِ والسرعةِ منذُ أيام الملوك السومريين.

إذن، والحال هذه؛ من الضروريِّ البحثٌ عن جوابٍ أكثرَ وضوحاً للسؤال التالي: كيف تصلُ المشاكل إلى مثل هذه الحالة في الشرق الأوسط؟

يشكل مجتمع الشرق الأوسط الخلية النواة لجميع المجتمعات. وهو يستمد قوته من ماهيته هذه. نظريات الخلية النواة دارجةٌ على المجتمعات أيضاً. لقد أبدى النظامُ الرأسماليُّ قدرتهُ على التوسع والانتشار من ثقافة القارة (الأوربية والأمريكية) إلى أستراليا الباسيفيكية، ومنها إلى الثقافة الهندية والصينية واليابانية؛ ومن أفريقيا إلى الثقافتين الروسية والسيبيرية الجنوبية. لقد كان الانتصار في حربٍ هي ضربٌ من ضروبِ صراعِ الحضاراتِ والثقافات. إلا أنَّ النظامَ نفسهُ لم يستطع تحقيق فتوحاته تلك في منطقةِ الشرقِ الأوسط، رغمَ محاولاته العديدة المتعاقبة منذ أعوام 1800. ولربما مرَّ فيها بحالاتٍ أكثرَ شحناً بالمشاكلِ من الحروب العالمية. حيثُ ثمةَ عناصر تتجاوز حروب الصهر والإذابة. لا شكَّ في أن السببَ الأساسيَّ لفشل الأنظمة الاستبدادية ينبع من طبيعة النسيج الاجتماعي للمنطقة.

إن المَلَكية والإقطاعية اللتين قضت عليهما الثورة الفرنسية تشبهان الشارلية القيصرية والإقطاعية التي قوَّضتهما وأطاحت بهما الثورة الروسية. لكن كِلتا الثورتين انشغلتا أثناء ذلك ببنى فوقية لا نسيجَ غائِرَ لها. مع ذلك؛ فتشخيصُ تلك البنى وتفكيكها تضمَّن مصاعب كبيرة. بيدَ أنَّ هاتين الثورتين قامتا في البنى الفوقية، ولم تتخلصا من الالتحام الأعظمي بالنظام الرأسمالي.

وناهيكَ عن حلِّ مجتمع الشرق الأوسط وبنيته الفوقية للمشاكل، بل انتهى فَرْضُ هذه النماذج عليه بتجذرها أكثر فأكثر. لذا، لا يتبقى من الأمر سوى ضرورة الفهم الحَسَنْ لطبيعةِ صِراع الحضارات. الأصحُ من ذلك هو التساؤل: ما الذي يُبقي على حضارة الشرق الأوسط عقيمة ومقاوِمة عنيدة لهذه الدرجة؟ لماذا تُحرَز النتائج المرجوَّةُ في كافة الحضارات الشهيرة في العالم لدى التدخل فيها، في حين أن الحلول الشبيهة تلقى الفشل الذريع في الحضارة الشرق أوسطية؟

يُكمنُ الردُّ على هذه التساؤلات في حقيقة الحضارة الأم. فكيفما يشبهُ الابنُ أمَّه بالضرورة – ولا تشبهُ الأمُّ ابنَها – فالحضارات الوليدة من الحضارة الأم، لا يمكنها أن تشَبِّه أمها بنفسها. بل هي مُرغمةٌ على التشبُّه بحضارتها الأم من بعض النواحي بأقل تقدير. إذا ما رجعنا ثانية إلى مثال الخلية النواة، نجد أنه من الممكن العثور على البنى الجينية (الوراثية) الموجودة في جميع الخلايا المتكاثرة ضمن الخلية النواة. في حين أنهُ من المَحالِ العثورُ على كافة جينات (مورثات) الخلية النواة في الخلية المتكاثرة منها. لا شكَّ في أنَّ المقارنة المُفرِطة للظاهرة الاجتماعية بالظواهر البيولوجية تتضمن أخطاءَ فادحة. لكنها، مع ذلك، تزودنا بالسهولة المتوخاة لتَفَهُّمِ الاتجاهات الموجودة بشكلٍ صحيح. لذا، جليٌّ للعيانِ مدى ضرورة أن تتقرب مدنية النظام الرأسمالي بعمقٍ وخصوصيةٍ أكبرَ إزاءَ الحضارة الشرق أوسطية.

يجبُ النظر أولاً إلى البنية الذهنية؛ لدى البدءِ بتحليل الحضارة الشرق أوسطية. فنشوء وتوطد بُنى الأديان التوحيدية الثلاثة في هذه المنطقة، يشكلُ أحد أهم حقائقها. ثمةَ العديدُ من المواضيعِ الأساسيةِ التي يتوجبُ على السوسيولوجيا الدينية تحليلها في هذه المنطقة. هذا ومن اللازمِ تحديدُ خطوطِ هذه المحاولات عبر السلوكيات الأدبية والفنية الأخرى أيضاً. علاوة على أن رسمَ الخريطة الذهنية فيها دون تمييزِ أو فصلِ قيمِ المجتمع النيوليتي – الذي لا يزال مؤثراً في المنطقة – عن غيرها؛ سيتضمنُ أخطاءً حقيقية. من جانبٍ آخر؛ لا تزالُ ظواهر المذاهب والقبائل والعائلة، حقيقة مُعاشة فيها كوحداتٍ سفلى لظاهرتَي الأمة والدين الملتحمتَين مع السلطة. أما القوالبُ الذهنيةُ الناجمةُ عن الرأسمالية، فلا تجدُ معناها في المنطقة إلا بعد انكسارها وتحطمها.

ثمةَّ تزاوجٌ مشحونٌ بالشوائب والعيوب بين عناصر الذهنية المعاصرة من جهة، وعناصر ذهنية العصور الوسطى والأولى من جهة ثانية. لذا، فأيُّ استهدافٍ للبُنى الفيزيائية الطبيعية (على الصعيد السياسي والاجتماعي والقانوني والاقتصادي)، دون استهداف البُنى الذهنية في واقعِ الشرق الأوسط؛ لن يُسفِرَ في مضمونه إلا عن ممارساتٍ وحشيةٍ قصوى للمجازر والإرهاب والتعذيب، الرسمية منها والغير رسمية، مثلما شاهدنا ذلك في يومنا الراهن.

كذلكَ تُشيرُ البنى السلطوية في منطقة الشرق الأوسط إلى فروقاتٍ هامة تميزها عن غيرها من الميادين في العالم. كما أن ظاهرتَي الحرب والسلطة ليستا أقلَّ اختلاطاً وتعقيداً من الخُصال الذهنية. فرغمَ كونِهما من أقدمِ المؤسسات القائمة في المنطقة، إلا أنَّ العلاقة بينهما وبين الحياة الاجتماعية والاقتصادية، تُعاني من انقطاع ومفارقات مُذهلة. والعلاقاتُ المتبادلة بينها، منفتحة لكل أنواع الديماغوجيات والقمع، من أدقها إلى أغلظها. أما العقلانية (المنطق)، فهي “الربح” الأقل معنى وجدوى. وفيما يخصُّ السوسيولوجيا (علم الاجتماع)، فكأنها مصقولةٌ داخل الروابط الدينية والإثنية والاقتصادية والطبقية والسياسية للحرب والسلطة، كظاهرةٍ بعيدةٍ كلَّ البُعدِ عن التحليل والتفسير. من الصعبِ الحصولُ على منظرٍ واقعي للشرق الأوسط، دون القيام بتحليلاتٍ صحيحةٍ للسلطة والحرب؛ بِدءاً من كونهما مُصطلحٌ مقدسٌ تجريديٌّ للغاية، وحتى كونهما عصا وهراوة غليظة مسلَّطة.

تتضمن مؤسسات البُنى الاجتماعية، وبشكلٍ خاص ظاهرة الأسرة، تشابكاً وتعقيداً، يماثل ما عليه في ظاهرة السلطة، بأقلِّ تقدير. فالرجلُ والمرأةُ الشرق أوسطيَّين يتميزانِ بتشابكٍ يستلزم بالضرورة تحليلاً خاصاً بهما. وأيُّ تحليلٍ للأسرة والمرأة والرجل الحاكم، من خلال القوالب السوسيولوجية العامة، سيحتوي نواقصَ مهمة جداً. فالواقعُ السياسي والأيديولوجي ينعكسُ على الرجل والمرأة، بأكثرِ جوانبه قساوةً وحِلكة. والتناقضات القائمة في مؤسسة الأسرة، ليست أقلُ مرتبةً من تلك التي في مؤسسة الدولة. فالأسرة هنا أبعد من أن تكون مؤسسة اجتماعية، وأدنى إلى أن تكون “الثقب الأسود” للمجتمعات. إذا ما قَيّمنا وضعَ المرأة تقييماً مسؤولاً لربما تَمَكّنّا من قراءة جميع دراميات الإنسانية فيها.

وبدون تحقيق الاكتفاء الذاتي ضمن كافة هذه الروابط المجتمعية، فإن التحليل عبر المبادئ الجافة والمُجدبة للنظريات الاقتصادية، لن يُجديَّ نفعاً. علاوةً على أن تحليل الكل بعد تجزِئَتِهِ وتشريحهِ إلى أقسامٍ صغيرة – والذي يُعَدُ مرضاً عاماً يسودُ علم الاجتماع – سينمُّ عن أكثر نتائجه تضمُّناً للأخطاءِ والنواقص، لِدى إسقاطهِ على الفعاليات الحضارية للشرق الأوسط، وفي مقدمتها الاقتصاد. فالتحليلاتُ الاقتصادية المُفْتَقِرَةُ لتداوُلِ ومعالجةِ “السلطة والحرب” و”الذهنية والمجتمعية” بشكل متداخل، لن تؤدي سوى إلى تجذير الجهل والافتقار للمعلومات أكثر. إذن؛ ساطعٌ سطوعَ النهار أنَّ البحث والتدقيق في منطقة الشرق الأوسط، عَبْرَ القوالبِ التحليلية للحداثة الرأسمالية، يحتوي أخطاءً وأغلاطاً نظرية وعملية مهمة. والفوضى القائمة حالياً، هي – لحدِّ ما – ثمرةٌ لمثلِ هذه التوجهات.

الأهم من ذلك؛ هل منَّ الممكنِ أنْ يتكرر الدور الذي لعبته الأصول الكُردية الآرية في كونِها مِهدُ الحضارة لدى بزوغِ فجر التاريخ؟ بمعنىً آخر؛ هل ستلعبُ دوراً شبيهاً لدورها السابق. أثناء العبورِ إلى عصرِ الأمة الديمقراطيةِ أيضاً في منطقة الشرق الأوسط؟ حيثُ أنها تمثل بالأرجح دور الأنساب الكردية عبر التاريخ على نحو “التأثير والارتكاس” من الخارج؛ إزاءَ الحضارات المجاورة لها. هذا وشهدت تطورات حضارية محدودة العدد في أراضيها. إذ انهمكت بالأغلب بالمقاومة والصمود وحماية الوجود إزاءَ الاعتداءات والغزوات الخارجية، وذلك على أساس مقاومات الاثنيات (القبائل، العشائر)، والدخول في تحالفات مُساعدة على تحقيقِ مآربها تلك. وهي لا تزالُ تحافظُ على ماهياتها هذه في راهننا أيضاً.

من هذهِ الأرض وُلِدَتْ الكثيرُ من الديانات والثقافات واللغات والابجديات؛ فكانت حضارات السومريين والأكاديين والآشوريين والميديين، والميتانيين، والهوريين، والفينيقيين، فكانت مزوبوتاميا بذلك إبداعاً حضارياً، وما تلتها من ابداعات لم تكن إلا مجرد إضافاتٍ وتغييراتٍ وتحولاتٍ في ما أبدعتهُ هذه الحضارة, ويسهلُ جداً رؤية ملامح الروعة والأصالة التي تميزت بها المنطقة في الأساطير والملاحم التي وصلتنا.

تشكلُ سوريا جزءاً مهماً من هذه الجغرافية التي تزخرُ بهذا الكمِّ الهائلِ من التنوعِ الأصيل بشرياً وثقافياً ولغوياً وحضارياً، وإذا أضفنا امتدادها على ساحل البحر الذي أمَّن لها التواصل والاستمرار والتمازج مع الشعوب والأقوام الأخرى خلفَ البِحار، ولهذا عاشت سوريا تطورات وصراعات في مراحل عصرية مختلفة، تمكنت من إزالة الحدودِ بين المختلفين المتمايزين لتُشكِّلَ منهم وحدةً متكاملةً قادرةً على تقبلِّ التنوع والاختلاف في داخلها ومع غيرها، ومن هنا فإنه لا يمكن لأي من هذه المكونات أن تَدَّعي مُلكيتها الأحادية الخاصة للمنطقة التي تعاقبت عليها وشاركت فيها كمٌّ هائلٌ من المكونات التي تداخلت لتشكل لوحة واحدة تتعايش فيها كل الألوان، وهنا يَكْمُنُ سرُّ تمسكِ الجميعِ بوحدة البلد الذي يتميز أصله بتشكله الخاص الطبيعي الأصيل.

آلافُ السنينِ من التاريخِ المشتركِ بين مكوناتِ هذا البلد خُلِقَتْ منهُ اتحاداً مجتمعياً منسجماً متناسقاً متفاهماً، رغمَ كلِّ المدِ والجزرِ والأخطاء التي حصلت والممارسات السلطوية والاستغلالية للحُكامِ في مختلفِ الأوقات والأماكن، إذ أنَّ اللُحمة الأساسية الجماهيرية للمكونات بقيت بعيدةً عن تناقضاتِ وممارساتِ الحُكامِ والفئاتِ المُستبدة.

يستحيلُ فَهمُ حقيقةِ العلاقةِ بينَ المكونات السورية المتعددة والمتداخلة دون الغوصِ في أعماق التاريخ، وبداية تشكلِ وتطورِ التجمعات البشرية، وتشكل الحضارات على هذه الأرض التي تمتد لآلاف السنين، وتمكنت من خلقِ اللوحةِ الحقيقية لمجتمعِ المنطقة.

إنَّ المكونات الأساسية للمجتمع السوريِّ الراهن؛ والمتمثلة بالعرب والكُرد والأرمن والسريان والكلد والآشوريين والتركمان والشيشان والشركس كلها مكوناتٌ أصيلة في هذه الأرض شاركت في صناعةِ تاريخ وحضارة المنطقة، وشَكَّلَتْ كل واحدة من هذهِ المكونات جزءاً من الرصيدِ التاريخيِّ والاجتماعيّ لها.

وعلى الرغم مما أشرنا لم يكن تاريخ سوريا مُجردَ لوحةَ سلامٍ دائم، إنما عانت من مشاكل وحروب وصراعات وغزوات اختلفت أغراضُها وممارساتُها، تَرَكَتْ في كثيرٍ من الأحيان جروحاً لم تلتئم طويلاً، وفي صراعِها هذا تمكنت من خلقِ أسلوبِ الحياةِ المُستندِ إلى التكامل والأخوة، أو بشكل آخر يمكن القول أن هذه الصراعات والتناقضات قد دفعت بكل المكونات الموجودة للإيمان بضرورة الاعتراف بالآخر، والتعاون والتعامل معه على أسس الندّيّة والمساواة، أي الاعتراف بالآخر المختلفِ عنهُ والتعايشَ معهُ بسلام.

لا يمكن لأيٍّ كان أن يقفز – بسطحية و سذاجة – فوقَ حقائقِ التاريخ. وتلك العلاقات العميقة التي هي قديمة قِدَمَ التاريخ قد بدأت مع أولى هجرات العشائر والمجاميع السامية من شبه الجزيرة العربية نحوَ العراق، ومن ثمَّ امتدادَها على أطراف نهريّ دجلة والفرات وانتِشارِها في سهولِ ما بين النهرين.

ولاحقاً التمددُ العربيُّ الإسلاميُّ إلى المناطق الكُردية أحدثت انعطافاً في هذه العلاقة. وإن كانت السياسات الإسلامية في بعض المراحل قد قامت على النَفَسِ القوميِّ  في الحُكم، إلا إن الكُرد ظلوا بعيدين عن هذا التوجهِ والسلوكِ وبقوا صادقين مع إيمانهم. وهنا تُبرزُ أهميةُ قيادة صلاح الدين في تحريرِ القدسِ وأهمية شخصيتهِ القياديةِ التي امتلكت روحَ الإسلام.

إنَّ العلاقات الكُردية العربية تطورت على أساس التسامح والأخوة بعيداً عن الشوفينية القومية في المراحل الأولى من تاريخِ سوريا، واستمرت العلاقات إلى ما بعد الاستقلال ودَورِ الكُردِ في التحرر، إلى أن سَيطَرَ حزب البعث على دَفَّةِ الحُكمِ  بالاعتماد على الفكر القومي الشوفيني الأحادي.

السياسات الشوفينية والمشاريع الاستثنائية التي استمرت طوالَ نصف قرن؛ سببت الكثيرَ من  المشاكل والأحداث والانتفاضات نتيجةً لحالةِ الإنكار والإقصاءِ والقمعِ من قِبَلِ النُظُمِ الحاكِمة العنصرية، وشَكَّلَتْ هذه السياسات السبب الأساسيَّ في الصراع، وحجزٍ مرأيٍّ للمجتمع السوريِّ الذي لم يتطور بدوره ليصل إلى صفوف المجتمع، وبقي محصوراً في عقول وذهنيات الساسة وأصحاب السلطة المسؤولة عن تفكيك نسيج المجتمع السوري، وهدمِ ثقافةِ العيش المشترك وأخوة شعوبها. وبقي التطلع إلى حياة مشتركة على أساس الحرية والعدالة والمساواة يُشَكِّلُ أعلى القيم التي دافعَ عنها السوريين باستمرار، وبشكلٍ ملحوظٍ من خِلالِ الحِراك الثوري السوري في أواسط آذار 2011.

أما بالنسبةِ للعلاقةِ بين الكُردِ والسريان والكلدانيين والآشوريين والأرمن والشيشان والتركمان فهيَّ الأخرى تمتد إلى عمقِ التاريخ بوصفهم مكونات الوطن المشترك، والتي اتسمت دائماً بالتفاهم، ونعتقدُ أنَّ أموراً عديدةً ساهمت في تحسين هذه العلاقات، وروح التفاهم والتعايش المشترك. وفي هذا الإطار لا يمكن البحث في مسألة المكونات، وذلك بمنظور الأقلية والأكثرية للشعوب التي تعيش على هذه الجغرافية، فهي جميعها أصيلةٌ وذات جذورٍ تاريخية ثابتة، وكلها تملك حقوقاً طبيعية في هذا البناء الشامخ الذي اسمه الوطن المشترك بغضِّ النظر عن قيام الأنظمة الحاكمة التي عملت باستمرار على بث روح الفتنة والفساد والعِداءِ بين هذه المكونات.

كانت سوريا مَحَطَّ أنظارِ وأطماعِ الغُزاة؛ ولهذا توالت إليها الهجرات، وتعرضت لغزوات بسبب غِناها المادي وموقعها الاستراتيجي والتي تسببت بحالاتٍ من اللااستقرار والفوضى والدمار والسلب والنهب، فإنها في جانبٍ آخر تركت وراءها آثاراً ثقافية مهمة وتداخلاً حضارياً رائعاً. ليس هذا فحسب بل يكادُ يكونُ شعبُ سوريا خليطاً منسجماً إلى حدٍّ ما من أعراقٍ وأقوامٍ بنت حضاراتها الذاتية التي أكسبت سوريا غنىً تركَ آثاراً عميقةً في روحية الإنسان السوريّ تَمَثَّلَ في توطيد قيم الحياة المُشتركة بين مختلف المكونات الأثنية والدينية واللغوية.

كما أنَّ ثقافة إنكار الآخر ليست إلا ثقافةٌ دخيلةٌ ومستوردةٌ بعيدةٌ عن المفاهيم الأصلية لأبناء سوريا. فما تعرضَ له الكُرد والسريان أو بعضُ المكونات الأخرى أحياناً لا علاقةَ لهُ بروحِ الشرقِ وبالروحِ السوريةِ الأصيلة.

بعدَ حصول سوريا على “استقلالها” إثرَ الحرب العالمية الثانية، عاشت مرحلة قصيرة من الازدهار السياسي؛ تميزت بالتنوعِ والتعدد وبقسطٍ من الديمقراطية، إلا أن الانقلابات العسكرية المتتالية خلقت غياب استقرار الوضع السياسي، لكنها رغم ذلكَ حافظت على تنوعها، وظلت بعيدةً عن إنكار الآخر وإقصائِه، ربما كلُّ ذلك كان نتيجة لبقايا تأثيرات عملية الاستقلال وروحها التي كانت لا تزال تفعلُ فِعلها، فاستمرت التسمية بالجمهورية السورية اعترافاً بتنوعِ مكوناتها وتعددها قومياً ودينياً وثقافياً، لكن هذا الربيعُ الديمقراطيُّ نسبياً لم يصمد إلا سنواتٍ قليلة، حتى بدأت النزعات القوموية العروبية تتصاعد، وبدأت الحريات بالانحسار والانقطاع، وتمَّ خنقُ الديمقراطية النسبية الناشئة التي ظهرت في سوريا مع الاستقلال، والتي استمرت عقداً من الزمن، وتعرضَ التحولُ الديمقراطيُّ في الدولة والمجتمع للانقطاع والتوقف، وبدأت السياسات القوموية تفعل فعلها، فكان تسمية الجمهورية السورية باسم الجمهورية العربية السورية إعلاناً صريحاً بقوموية الدولة وإنكارٍ وإقصاءٍ لكلِّ المكونات الأخرى بما فيها تلك التي شاركت بقوة في الاستقلال والحياة السياسية مثل الكُرد والسريان وغيرهم، وسيطرَ البعثُ الشوفينيُّ على الحُكم وبدأت الحريات تنحسر حتى اختنقت.

تسارعت المشاريع العنصرية والإجراءاتُ الاستثنائيةُ والتعسفيةُ والاضطهاد والإكراه بحقِّ الشعب الكُردي وغيره من المكونات على كل الجبهات، فكان الإحصاءُ الجائرُ والحِزامُ العربيُّ عناوين بارزة للإنكار وظلم الآخر، ما لبثت أن شملت الجميع عبر إعلان حالة الطوارئ التي استمرت نصف قرن، شلت خلالها الحياة السياسية والديمقراطية، وأطلقت يدَّ البعثِ الشوفيني ورجال الأمن ورموزه في البلاد دون رادعٍ أخلاقي، حتى  باتت سوريا أشبهُ بسجنٍ كبيرٍ للشعوب والحريات والقيم الإنسانية.

لقد ظلت جغرافية كُردستان, وخاصة في الماضي القريب بمثابةِ الوطنِ الأمِ للعديد من الشعوب الأخرى, وعلى رأسها الأرمن والسريان. كما سكنها عددٌ كبيرٌ من الامتدادات العربية والتركية أيضاً. هذا ويحيا الكُردُ تعدديةً على الصعيد الديني والمذهبي. ولا تزالُ آثار الثقافات العشائرية والقبلية وطيدةٌ في المجتمع الكُردي, بينما ثقافة المدنية غير متقدمة فيه كثيراً. كلُّ هذهِ الخصائص تتيح فرصةً عظيمة للكيانات السياسية الديمقراطية في جغرافية روج آفاي كُردستان. كما أنها نموذجيةٌ لتأسيسِ الاتحادات الكومونيالية التي هي ضرورةٌ اضطراريةٌ في ميدان “التربة, الماء, الطاقة”. هذا وظروفُ نماء المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيّ أيضاً مساعدةٌ إلى أبعدِ حد.

انَّ المجتمعات “العربية, الكُردية, السريانية, الفارسية, التركية, الآشورية, اليهودية” لن تتجاوزَ أزماتها وقضاياها الاجتماعية التي بلغت حد الإبادات العرقية؛ ما لم تُشَخِّص وبشكل جديٍّ الأزمة البنيوية التي تُعاني منها على أساس مفهومِ الدولةِ والأمةِ القومية وصِراعِ المذاهب والأديان المُستندِ إلى منهجِ التطرف وإنكارِ الآخر. ومن دونِ التفكيرِ في تجاوز تلك الذهنية القوموية المتطرفة, ستبقى الأزمات مستمرةٌ “تخمدُ وتثور”.

المهمُ هنا من الناحية التاريخية؛ هو تطويرُ وتوحيدُ هوية الشعوب الكومينالية والديمقراطية كطراز سلوكيٍّ أساسيٍّ لها، مع إمكانيات وفرص العلم والتقنية، ومأسستها. إنَّ ما تحتاجُ إليه شعوب الشرق الأوسط في راهننا، هو الديمقراطية، بقدرِ حاجتها إلى الماءِ والهواءِ والطعام. وأيُّ خيارٍ آخر غير الديمقراطية، لن يقدرَ على تلبيةِ آمالِ الشعوب وتأمين سعادتها ورَغَدِها. وقد جُرِّبَ ذلك طيلةَ التاريخ.

إنَّ ثورة 19 تموز 2012 في روج آفا التي انطلقت شرارتها من كوباني، وانتقلت إلى عفرين ومن ثم إلى الجزيرة اعتمدت على الميراث الفلسفيِّ والفكريِّ للقائد عبدالله أوجلان، الأخير الذي شَكَّلَ الأساس في اندلاع انتفاضة/ سرهلدان قامشلو 12 آذار 2004، وأيضاً؛ تمَّ من خلالهِ الانتهاج للخط الثالث؛ فتعريفُ الثورة وُفقَ هذا الخط لم يهدف إلى هدمِ الدولةِ وبناءِ دولةٍ أخرى؛ إنما بناءُ المجتمعِ والإنسان الحر والديمقراطية كضمانة أساسية لمكتسبات الثورة. واستطعنا من خلال هذه الثورة المُعتمدة على نظرية الأمة الديمقراطية بأن نختزلَ معادلة الحل للأزمة السورية سواء من جانبِ محاربةِ الإرهاب أو من جانبِ تمثيلِ مفاصلِ التغيير الديمقراطي. الأخير الذي يتحقق عبر حقيقة الشعب المُقاتل وتضحيات الشهداء بدورٍ رياديٍّ للمرأة والشباب، حتى باتت ثورة روج آفا تُعرفُ باسم ثورة المرأة الحرة.  ومن أبرز النتائج المتمخضة لثورة 19 تموز يَكْمُنُ في أنَّ حلَّ القضية الكُردية باتَ مفتاحَ الديمقراطية والأمن والاستقرار في سوريا والشرق الأوسط، وأنَّ تحولَّ الكُرد من خلال المشروع الديمقراطي المُتمثل بدوره بالإدارة الذاتية الديمقراطية والفيدرالية الديمقراطية تَعتبر قيادته لعملية التغيير في الشرق الأوسط برمته؛ وخاصةً من بعدِ بروزِ قواه العسكرية التي تُدافع عن هذا المشروع كرمزٍ عالميٍّ مُدافعٍ عن قيمِ الإنسانية ضدَّ الإرهاب وضدَّ الاستبداد.

الأزمة السورية

ما زالت الظاهرة المجتمعية التي نشأت ونَمت في الهِلال الخصيب مستمرة في وجودها في الأطراف, وتحقق الديمومة للحياة الراهنة، ولو بخطوطها العريضة رغماً عن أنف أنظمة الدول المُتعاقِبة. فما زالت البُنى الفردية والعائلية وعلاقاتها المُتوارثة من العهد النيولويتي، وكذلك قيم الأخلاق الاجتماعية الأكثر أصالةً ونُبلاً تعطي للحياة معنى، وتزودُ المجتمع بالقوة والقدسية بدءاً من الاحترام والوّد، وصولاً إلى علاقات الجِوار والتضامن والتعاون، وإغاثة المحتاجِ كسماتٍ لا زالت تقاومُ تخريبات الحداثة الرأسمالية. وهذه البُنى هي التي تُنشئ البُنى المضادة والمناهِضة للهيمنة والاستغلال، وهي نبعُ العين لكافةِ المقاومات الاجتماعية في يومنا.

    إنَّ النظامَ السوريَّ وعلى اعتباره نظاماً مركزياً أنتج القهر والاستبداد، ويُعتبرُ المسؤول الأولَ عما آلت إليه الأوضاع في سوريا من عنفٍ وقتلٍ وتدمير، وحتى تستقر الأوضاع فإنه يظهر حاجةً إلى التغيير والتحول الديمقراطيِّ في النظام السياسي، والانفتاحِ على المجتمعِ السوري؛ ويتمثلُ ذلك بأن تكون سوريا فيدرالية ديمقراطية؛ تتألفُ من فيدراليات على أساس الجغرافية وإرادة شعب سوريا. فتعصبُ النظامِ الاستبداديِّ كدولة قومية، وانتهاجِهِ لسياسة الحزب الواحد والقومية الواحدة والثقافة الواحدة واللغة الواحدة، وقمعِ جميع الحركات الاجتماعية والسياسية الديمقراطية، وقيامهِ بالمجازر وقصفِ المدنِ والبلدات عَمَّقَ الأزمة وكرَّسَ الاختناق الداخلي أكثر فأكثر، وهذا ما زادَ من تشتت الديناميكية المجتمعية سياسياً واجتماعياً وثقافياً.

كما أنَّ سوريا غيرُ قادرة على اللحاق بالعصر وتجاوز المحنة بنظامها القوموي التقليدي، لذا فقد أصبحت مهام إعادة البناء، وإجراء التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ضرورة حيوية بالنسبة للنظام والمجتمع، وفتحِ المجالِ أمامَ حريةِ الفكرِ والتعبير، وتطورِ القوى الاجتماعية والسياسية الديمقراطية، ومختلفِ منظماتِ المجتمعِ المدني. وذلكَ من خلالِ الاتفاق على الانتقال إلى دولة فيدرالية ديمقراطية تحترمُ حقوقَ الإنسان والاثنيات.

إنَّ خيار التحول الديمقراطي هو السبيلُ الأسلم للمجتمع والنظام وكافة الأطراف السورية المشتركة في الصراع الدائر حالياً على حدٍّ سواء, لإنقاذ ما يُمكن انقاذهُ من تسونامي الدمار والتطرف الذي حلَّ بالبلاد. وفي هذا الإطار، يجب إفساح المجال أمام إعادة بناء القوى المجتمعية الديمقراطية والسياسية لدى جميع شرائح المجتمع، لتكتسبَ الوعي بقيمها السياسية الديمقراطية، وهذا موضوعٌ كبيرٌ بحدِّ ذاته لكنهُ مقدسٌ ونبيل، وبنفس الوقت لا مفرَّ منهُ إطلاقاً للتخلصِ من مفهومِ نفي الآخر وتجاوزه. إن نظرية إفناء الآخر هي مُناقِضةٌ لديالكتيك الطبيعة ونظام الكون والمجتمع البشري أيضاُ، فالنظرية الخاطئة سوف تؤدي إلى نتائج خاطئة حتماً، إنَّ نظرية إفناء الآخر ستؤدي إلى تجذُّرِ ثقافة إنهاء وإفناء السلطة القادمة لما قبلها، وتطوير ثقافة الانقلابات العسكرية والسياسية التي تُسْفِرُ عن تراجعِ مشاركةِ الجماهير والمجتمع في السياسة والإدارة، وتجعلهما مهنةً وملكاً محصوراً في النُخَبِ والقوى العسكرية وقوى الاحتكار. والحيلولة دون ذلك أمرٌ مرتبطٌ بتطويرِ التنظيم الديمقراطي للمجتمع، وترسيخِ الثقافةِ القائمة على المجتمع الأخلاقي والسياسة الديمقراطية التي تفتح المجال أمام التعددية الثقافية والسياسة الديمقراطية.

لذا يَفرضُ نظام الفيدرالية الديمقراطية نفسهُ كنمطِ تنظيمٍ مُعَبِّرٍ عن جوهرِ المجتمع  للتكامل والتعاضد والتوحد الحر، وبالتالي التطور في الاتجاه الصحيح، وظهور إدارات لأقاليم ديمقراطية، حيث يُنظمُ المجتمع نفسه من الأسفل إلى الأعلى، بِدءاً من انتخاب الكومينات الديمقراطية في القرى والأحياء والمدن التي تحظى بمبادرة إدارة ذاتها وتنظيم شؤونها الداخلية ومع جيرانها، لتتجهَ نحو دمقرطة الإدارات المحلية والبلديات ومجالس المدن، عبر حرية الاقتراع والتعبير، وإشراك كافة التنظيمات والأطراف فيها بحرية، وربطِ هذهِ التشكيلات ببعضها البعض، وانتهاءً بانتخاب وتأسيس مجالس الشعب في الأقاليم، ومجلس الشعوب الديمقراطية, أي الوصول إلى دولة وطنية تكون مُعَبِّرَةً عن كافة المكونات الاجتماعية المكونة لها, والتي ستتخذ شكلاً ومضموناً مغايراً لبنيتها ولطبيعتها الحالية من خلال اكتسابها لشرعيتها بالسُبُلِ الديمقراطية, بينما يأتي تغييرُ دستور البلاد كضرورة لدعم هذه التحولات. فعدم تناغم الدستور والقواعد والقوانين في البلاد مع هذه التحولات يؤدي إلى فوضى حقوقية وقانونية، وبالتالي انعدام آلية الإدارة بين جميع التشكيلات الجديدة, وليتم سنُّ القواعد والقوانين التي تُعطي كل كيانات سوريا الثقافية والقومية والدينية حقَّ المُشاركة والتمثيل الحر لها ضمن هذه التشكيلات. وبهذا الشكل يُمكنُ حلُّ القضية الكُردية كقضية وطنية من الدرجة الأولى على أساسِ الفيدرالية الديمقراطية.

التحولُ الديمقراطيُّ يحتاج إلى القبول بمبدأ التفاوض والحوار بين مكونات شعب سوريا. الذي يتطلب الدستور الديمقراطي والوطن المشترك بعيداً عن التعصب الشوفيني القوموي، وكذلك التعاضد والعيش المشترك ما بين مكونات المجتمع من كُرد وعرب وسريان وآشور وتركمان وشركس وأرمن؛ وغيرهم، وكذلك القيم الأخلاقية للأديان والعقائد والمذاهب، وكلُّ قيمِ الهِلالِ الخصيب وميزوبوتاميا.

 إنَّ هذا الوفاق يفرض المبدئية على كلِّ القوى الديمقراطية والمجتمعية أن تقوم على تمتين تحالفاتها، ومن المهمِّ هنا التأكيد على الدورِ الديمقراطي النهضوي الذي يقوم به مجلس سوريا الديمقراطية؛ الذي تشكل في ديرك بتاريخ 8\12\ 2015 من خلال تحالفٍ بين عدة قوى ديمقراطية سورية، تؤمن بالآلية نفسها والنظرية الديمقراطية، وأنَّ مجلس سوريا الديمقراطية يُناضلُ بهدف التوصل إلى حلٍ للأزمة السورية على أساسِ مسارهِ السياسيّ ويضمنه دستورٌ ديمقراطيٌّ توافقيٌّ يؤكد فيدرالية سوريا الديمقراطية، والتوجهُ نحو سوريا الجديدة تعيش فيها كافة المكونات من عربٍ وكُردٍ وسريانٍ وآشورٍ وتركمانٍ وشيشانٍ وأرمنٍ وشركس … وغيرهم بشكلٍ مُشترك. وأن حزب الاتحاد الديمقراطي يسعى إلى تطويرِ هذا المشروع.

القضية الكُردية في سوريا

القضيةُ الكُردية كظاهرة قومية سياسية هي نِتاجٌ لنمطِ هيمنةِ سلطة الدولة القومية التقليدية. والتي  تشكلُ أحدَ أهمِ القضايا وأعقدها في سوريا والمنطقة عموماً. فهي بجوهرها قضيةٌ اجتماعيةٌ وذات مضمونٍ ديمقراطي، وتحملُ بُعداً أخلاقياً وثقافياً واقتصادياً وتاريخياً. بينما إظهارُها بمضامين مُغايرة كالقوموية، بل ونعتها بالانفصالية وبتهديدها لأمن الدول القوموية التي تأسست حديثاً، إنما يتم لإبعادِ المجتمعِ عن إدراكِ تلك الحقائق، ومرتبطٌ أساساً باحتكارِ السلطة. وهي أحكامٌ مُلفقةٌ ومُخترعةٌ بشكلٍ مباشرٍ من قِبَلِ سلطةِ الدولة القومية الحالية انطلاقاً من أيديولوجيتها القوموية. فلا يمكنُ أن تكون للسلطة أية احتماليةٍ في إعادةِ نفسها مُستبدة على روج آفا وعلى نِتاجاتِ شعبها المادية والمعنوية، والاعترافُ بالكُرد يعني تضييق احتكارات السلطة وفائض الاستبداد لدى المجتمع الدولتي. ومثلما إن احتكار السلطة يمنع إشراك القوى السياسية الديمقراطية العربية أيضاً تحت تُهمة وذريعة تهديد الأمن والارتباطِ بالخارج. فهيَّ تُظهِرُ القضية الكردية على أنها قوميةٌ ومعاديةٌ للقوميةِ العربية، وتُضْمِرُ الانفصال وتجزئة الوطن. إذاً القضية هي قضيةُ هيمنة احتكارات السلطة ورأس المال. وليست دفاعاً أو حرصاً على القضية القومية العربية، ولا يمكنُ التسترُ بأنَّ النظام الاستبداديَّ القومويَّ في سوريا لم يَسلم من شرهِ أيُّ مكونٍ من مكوناته؛ من بينهم الشعب العربي. ولكن الأمرُ المؤسف هو تمسك بعض القوى التي تَدَّعي الديمقراطية بهذهِ المفاهيم التي لا تُساهم في تعزيزِ التشارك في الوطن على قَدَمِ المساواة.

روج آفاي كُردستان التي تمثل الحياة النابضة لبقايا قيمِ حضارةِ الهِلالِ الخصيب، وشعبها الذي يمثل أحد أقدمِ شعوبِ المنطقة، يجعلُ من سوريا اليوم أرض الحضارة. إلا أنهُ ومنذ بدايات استيلاء حزب البعث على الحُكم، تمت ممارسةُ سياسة إنكار الوجود والصَهرِ القوميِّ والثقافيِّ بحق الشعب الكردي، وحُرِّمَ الكُردُ من أبسطِ الحقوق المدنية والإنسانية. إنَّ اضطهادَ الكُرد وإنكار وجودهم وإضفاء ظاهرة القومية الانفصالية على القضية الكُردية، يُشكلُ النهر الذي تُسَيِّرُ فيهِ الدولة القومية مراكب احتكاراتها للسلطة وإيديولوجيتها القوموية. إن إبقاء القضية الكُردية دونَ حل، ونعتها بمضامينَ مُغايرة لحقيقتها الاجتماعية والأخلاقية والثقافية والديمقراطية، هي كنزٌ للقوموية الشوفينية لا يمكنها التخلي عنه بسهولة هكذا, ومع ظهورِ أشكالٍ مُعارِضةٍ للنظام وادعائِها تبني الديمقراطية، تُظهَرُ حقيقته وتُسْقَطُ عنها الأقنعة عند تعاطيها مع القضية الكُردية بمنطق الانكار والنفي.

وهذا يقودنا إلى إن أساس تفاقم القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفساد والتعصب القومي والخلافات الدينية والمذهبية، والقضايا الإيديولوجية؛ وأخيراً قضية الديمقراطية, كلها نابعةٌ من عدمِ حلِّ القضية الكُردية، وإظهارها كقضية قومية انفصالية مُعادية للقومية العربية, أي الانكار والتعصب والتطرف. ومن هنا فإنِّ حل القضية الكُردية سيؤدي إلى حلِّ مجمل القضايا.

إن سياسة إنكار الوجود والقمع والصهر القومي والثقافي المُطبقةِ بحقِّ الكُردِ تخلق من جهة قضية سياسية واجتماعية وثقافية كُردية خاصة بالكُرد، كما إنها تخلقُ من جهةٍ أخرى قضايا اجتماعية سورية ذات خصوصية مُغايرة للدول العربية الأخرى، وتجعلُ من تشتتِ وتجزئةِ المجتمعِ السوريِّ أمراً واقعاً، إذ يتكون الشرخُ الأكبر بين السلطة والمجتمع عموماً، مثلما يُحْدِثُ شرخاً بينَ الكيان الاجتماعيّ العربيِّ والكرديّ، مما يخلق تشوها في العلاقات التاريخية الكُردية العربية، لينعكس سلباً على  مُختلف الثقافات والقوميات والمذاهب، والعقائد الدينية، بحيث يُكسبها نهجاً تنافرياً وتضاداً مع بعضها البعض. إذ أنَّ الاضطهاد القوميَّ والدينيَّ والسياسيَّ المُطَبَّقَ بحقهم يكونُ مُضاعَفَاً، إن هذه السياسة تؤدي إلى تباينات وانقسامات في جميع مجالات الحياة في سوريا.

إنَّ الاعترافَ بالشعبِ الكُردي؛ وتناولِ القضيةِ الكُردية كظاهرة تنامت وتطورت نتيجةً لمفهومِ سلطةِ الدولة القومية، واختيارِ الحلِّ الديمقراطيّ للقضية الكُردية المتمثلِ بالفيدرالية الديمقراطية لشمالِ سوريا؛ سيكونُ عاملاً حاسماً في دخول سوريا طريق التطور الديمقراطي السليم، حيثُ بات تحقيقُ الدمقرطة والانفتاح من أولويات سوريا من أجل الحِفاظِ على بقائها. كما أنَ تجاوز الذهنية التقليدية المُرتكزةِ على نمطِ الدولة القومية، وإيجادِ البرامج والحلولِ الهادفةِ إلى بناء المجتمع الديمقراطي، ضرورةٌ تفرضها مهامُ المرحلة على جميع القوى والأحزاب الديمقراطية بمختلف انتماءاتها القومية والسياسية. مثلما هي ضرورةٌ تُفرِضُها طبيعة وبنية المجتمع السوريّ وحقيقته التاريخية. فسوريا التي دخلت التاريخ من أوسع أبوابه بفضلِ إبداعات شعوبها وأقوامها وحضارة الهلال الخصيب، تستطيعُ اليوم تحقيق انضمامها إلى المجتمع العالمي لتلعب دورها التاريخي اعتماداً على ميراثها الحضاري والثقافي، وبناء نظامها الديمقراطي وفقاً لتاريخ الحضارة والحداثة الديمقراطية وليس لتاريخ المدنية الرأسمالية وحداثتها.

في هذه المرحلة التاريخية، التي باتت القضيةُ الكُردية تفرضُ فيها حلها كضرورة مصيرية، يُقدِّمُ الشعب الكُرديُّ من خلال مشروعه الديمقراطي دوراً أساسياً في تجاوز الأزمة في سوريا. ويشكل حزبنا، حزب الاتحاد الديمقراطي PYD، الذي يطرح برنامجه على أساس الحل الديمقراطي، نواةً أساسيةً لتحقيق الحرية للشعب الكردي والعربي والسرياني والآشوري والشيشاني والتركماني والأرمني وباقي المكونات، وتحقيق التطور الديمقراطي في سوريا عموماً. يشكل في الوقت نفسه جسراً معنوياً ومادياً للقوى الديمقراطية السياسية والاجتماعية. بناءً عليه، فحزبنا يهدفُ إلى صون نهجه في الأمة الديمقراطية في ضوء عملية إعادة البناء، وسيصر على تطبيق معادلة: “من روج آفا حرة نحو فيدرالية سوريا الديمقراطية”.

حل الفيدرالية الديمقراطية، وكونفيدرالية الشعوب

الفيدرالية الديمقراطية تُعْتَبَرُ بديلاً ديمقراطياً ثورياً عن نموذجِ الدولة القومية، وهي الحل العملي الأنجعُ للقضايا العالقة في الشرق الأوسط والقضية الكُردية في سوريا، بمعنىً آخر فإن الفيدرالية الديمقراطية تعني العيش المُشتركَ فيما بينَ الثقافات والمجموعات السياسية والاجتماعية المتنوعة والمتعددة في أطر جغرافية وسياسية واحدة, أي العيشُ معاً على قاعدة التنوع ضمن الوحدة, دونَ تمييزٍ بين اللغة والدين والجنس والإثنيات والأعراق، وكلها تحافظ على خصوصيتها ووجودها الذاتي في إطارِ الوحدة الديمقراطية فيما بينَ المجتمع, وهذا يعني بناء مجتمع ديمقراطي سياسي أخلاقي متحرر جنسوياً.

ففي المجالِ الاجتماعيِّ يستند على أخلاقيات المجتمع القائمة على التعاون وحُسنِ الجِوار والتشارك. وتُعْتَبَرُ “الحرية والعدالة والمساواة” من المبادئ الأساسية للعيش المشترك, وتعتمدُ على تنظيمِ المجتمعِ وإدارة نفسه بنفسه وبقوته الذاتية، وتحقيقِ الاكتفاءِ الذاتيّ, كما يعتمد على مبدأ قدرة المجتمع على مناقشة قضاياه, ووضعِ الحلولِ المُناسبة لها وحلها بقدراته الذاتية.

الفيدرالية الديمقراطية على أساس الجغرافية وإرادة شعوب سوريا؛ عندما تعتمد على الإدارة الذاتية للمجتمع، ولا يهدف إلى هدمِ الدولة. بل هو تجسيدٌ لنظامِ الأمة الديمقراطية الذي يمكن أن يكونَ البديل للنظام الدولتي القوموي. كما أن حل الفيدرالية الديمقراطية يشكلُ الحلَّ الأنجعَ لواقع الشعب الكُرديِّ المتواجد في المدن السورية الكبرى، للعيش في أجواء الأخوة والوشائج الاجتماعية مع المكونات الأخرى لشعب سوريا، بعد تنظيم نفسه حسب مبادئ الأمة الديمقراطية. ولن تكون هناك مشاكلُ كبيرة أو مستعصية عند تطبيقها عملياً، ويسهل الانتقال من النظام الأحادي إلى التعددي، والنظام الديمقراطي.

وهناك عدة مقومات أو أبعاد لحل الفيدرالية الديمقراطية.

أبعادُ حل الفيدرالية الديمقراطية

  • البُعد الاجتماعي:

إنَّ إهمال المجتمع استجابةً للتطورات السلطوية التي جلبتها الحضارة المدينية خلال مراحلهِ التالية أوصل المجتمع والفرد إلى حدِّ الإنكار وتهميش دوره، لا بل إنكار إمكانية استمراره وربطه بمفهوم دولة الكيانات الجديدة، ولهذا دفع به إلى الصفوف الأخيرة من حيث الاهتمام به، وأدت تلك السياسة إلى تقليص دور الفرد الحقيقي وبشكل ملحوظ، وكادَ المجتمع والفرد خلاله أن ينتهيا تماماً من حيث الفاعلية الشخصية وباتوا يواجهون الفناء.

لقد تحولت الحياة العصرية السائدة إلى فخ يحيط كلياً بالمرأة التي هي أقدم مستعمرة، حيث زُجَّتْ المرأةُ في عهد النظام الحاكم  في وضعٍ سيكون من الصائبِ تماماً وصفها بـ “ملكة السلع” فهي يدٌ عاملةٌ مجانية يبقى عليها في وضع “ربة المنزل”. أنها العنصر الأول في لائحة التشغيل المرن، وآلة منجبة تضخ الأجيال الجديدة للنظام القائم، وهي تاج رأس صناعة الدعاية، كما أنها أداة اللذة والسلطة اللامحدودة لجميع الرجال التسلطيين بِدءاً من الامبراطور العالمي حتى إلى الامبراطور الصغير داخل الأسرة، وهي المادة الشيء التي تمنح السلطة لمن لا سلطةَ له. فالحياة الاجتماعية في مجتمعنا الحالي قد تحولت إلى طفل أشبه بالعجوز الصائر طفلاً من جهة، وجرى تأنيثها من الجهة الأخرى والفاقد لإرادته، أما العائلة المتكونة حول المرأة، والتي تُعَدُّ من أقدمِ وأعرقِ مؤسسات المجتمع، فتعاني الانحلال بالتمحور حول المرأة أيضاً؛ ولكن بصورة تامة هذه المرة.

انطلاقاً من هذه الحقيقة؛ فالديمقراطية تعني الإيمان بمبدأ أن حرية المرأة هي حرية المجتمع، وبالتالي فحرية المرأة هي ضمان كافة الحريات. إن بناء سوريا ديمقراطية يستوجب بناء مجتمع ديمقراطي أولاً من خلال دمقرطة البنية المجتمعية بعد تطهيرها من مفاهيم سلطة الدولة المركزية “”سلطة ـ دولة “” التي أوصلتها لحد الدمار. وهنا يتحتم ضرورة الاهتمام بالعلاقات المجتمعية على أساس أنها الأصل والمُنطلقُ في العلاقات الصحيحة. ويجبُ إعادة الاعتبار وتصحيح وضع المرأة ومكانتها ودورها في المجتمع، وذلك بتطويرِ آليات مشاركتها وفاعليتها في مختلف مجالات الحياة وفق نهجِ حريةِ المرأة ومن كل النواحي، واعتماد دمقرطة العائلة في المجتمع. وأيضاً فيما يتعلق بفئة الشبيبة والتأكيد على وجوب إلغاء جميع العراقيل والسياسات الفئوية التي تحد من القيام بدورها الطليعي في المجتمع.

إن خصوصية المجتمع السوري تتمثل في أن التخريب الواسع قد شمل ولحق كل نواحي الحياة المجتمعية، بدءاً من أصغر وحدة مجتمعية وهي الأسرة وانتهاءً بالمجتمع. وهنا لا بدَّ من احترام الحالة الاجتماعية العامة، وكذلك الحالة الاجتماعية الخاصة لكل المكونات السورية بكل خصوصياتها الثقافية والهوياتية، لتتمكن بحق من ضمان استمرارية مجتمعاتها الحرة المستقلة نسبياً، بعد أن كانت تحت تأثير نفوذ وضغوطات إضافية من السلطات الحاكمة؛ دون الغرق مرة أخرى في مستنقع التمسك بهوية معينة وتحويلها إلى عامل تمييز وتفريق بين المكونات، بل احترام تعدد الهويات والانتماءات المجتمعية لكل المكونات وبكل امتداداتها التاريخية والتراثية. ومن ثم احترام الهوية الاجتماعية لكل مكونات سوريا، وتمهيد السبيل أمامها لتحقيق التطورات الديمقراطية هي أهم الأسس والغاية التي يجب التأكيد عليها في بناء سوريا المستقبل.

وهنا يظهر دور الفرد الذي تم تجاهله خلال مراحل طويلة، وتظهر الحاجة لخلق الفرد المتحرر والمواطن الحر، وهكذا يجب أن يُسريَّ نفسُ القول والاهتمام بفئات الأطفال والشيوخ وذوي الاحتياجات الخاصة. ولابدَّ من حصولهم في هذا الوطن الجديد على ما يمكَّنهم من التحول إلى أفراد مواطنين أحرار قادرين على الإنتاج  والإبداع في كل مجالات الحياة.

فإذا أردنا إسقاط ذلك أكثر على أرض الواقع السوري يجب أن نُدْرِكَ جيداً بأن المكونات المجتمعية السورية تمثل اللبنة الرئيسية للمجتمع السوري ككل. ولهذا فإن الحفاظ على مجتمعية هذه المكونات وحمايتها التي تعرضت لسنوات طويلة من القهر والظلم والإبادة والاستغلال، وسيطرة المفاهيم الاستهلاكية، بالإضافة إلى السياسات والمفاهيم القومية الضيقة وما تتعرض للانحلال من جهة، والانغلاق والتقوقع والسكون من جهة أخرى، كما أن حماية البنية المجتمعية لمكونات المجتمع السوري عرباً وكرداً وسريان وآشوريين وأرمن وتركمان وشيشان من مسلمين ومسيحيين وإيزيديين ودروز؛ تكاد تكون إحدى أهم المهام التي يُمكن إحداث التغيير الديمقراطي فيها. ويجب أن تتحول كلُّ واحدة من هذه المكونات إلى ما أشبه بعائلة ديمقراطية في مجتمع ديمقراطي شامل، لأن المجتمع الديمقراطي وحده هو القادرُ فعلاً على إعادة كينونة وحقيقة هذه المجتمعات إليها. وهذا بالتأكيد يحتاجُ أولاً إلى بناء الفرد المواطن الحر لتحقيق التكامل الكياني الذهني المؤسساتي الدائم في هذا المجتمع. وهنا يجبُ ألا يَغيب عن بالنا أبداً بأن بناء المجتمع الديمقراطي يحتاج أولاً إلى الفرد الحر القادر على ممارسة حريته عَبرَ أرضيةٍ سياسيةٍ ديمقراطية في البيئة المجتمعية الخاصة، أو في بيئة أيِّ حزبٍ يُنْتَسَبُ إليه الفرد.

والبُعدُ الاجتماعيُّ هو نموذجٌ إنتاجيٌّ صالحٌ لتغطيةِ احتياجاتِ المجتمعِ في العديدِ من الميادينِ من قبيلِ التعليم، وعلم المرأة (الجنولوجية) الصحة، الرياضة، الفن، والحقوق، والاقتصاد المجتمعي. وسيُستَوعَبُ بنحوٍ أفضل دورَ حزب الاتحاد الديمقراطي PYD الوظيفيُّ في هذه الميادين الاجتماعية، التي ستَشهَدُ تنافُساً وعلاقةً (تكافُليةً) متبادَلَةً مع الفيدرالية المستقبلية؛ إذ ما وُضِعَ نُصبَ العينِ عجزُ مؤسساتِ الدولةِ عن تلبيةِ الآمالِ المعقودةِ عليها إلى الآن في هذا المضمار. وعلى عكسِ ما يُعتَقَد، فاللغةُ والأثنيةُ لن تُشَكِّلا مشكلةً جادةً في هذه الحقول. فتعدديةُ اللغةِ في التعليمِ أمرٌ ينبغي التحفيزُ له كحاجةٍ اجتماعية. واستخدامُ وتطويرُ اللغةِ الكرديةِ والسريانية ولغاتٍ أخرى أيضاً إلى جانبِ اللغةِ العربية، سيتمخضُ عنه حقاً غنى في المعنى ضمن حقلِ التعليم، الذي لا مكانَ ولا داعي فيه للشوفينيةِ أو للقهر. إنّ تطويرَ المجتمع لمؤسساتِه الفكرية والمدنية والاجتماعية والثقافية التعليميةِ والصحيةِ والرياضيةِ والفنية، وتنظيم المجتمع لنفسه وفق نهج الأمةِ الديمقراطية، وسيُؤَمِّنُ التكامُلَ الوطنيَّ والقوميَّ جوهرياً، وسيُزيدُه غِنىً وزخماً.

  • البعد السياسي:

منَّ الصعوبةِ بمكانِ وجودِ أيةِ كينونة مجتمعية دون إدارةٍ خاصة بها. في الواقع السوري يجبُ أن نأخذ بعينِ الاعتبار بأنَّ حلَّ الفيدرالية الديمقراطية يُعْتَبَرُ من أهم الحلولِ المناسبة لواقع هذا التعدد الثقافيِّ على كافة المستويات وفي كل الاتجاهات للمكونات المجتمعية، ولابدَّ لنا أن نؤكد على نوعٍ من الاستقلالية والحرية لكل المكونات والهويات والانتماءات مع الاحتفاظ بالكيان المركزي الديمقراطي، باعتبار أن سوريا بلدُ جميعِ المكونات وبالضرورة أن تتمتعَ هذه المكونات بحقوقها كاملة.

إنَّ كيانَ الدولة في سوريا يجب أن تخضعَ إلى تغييرٍ ديمقراطي. وسنكونُ أمامَ كيان سيكون الرافعة المركزية الجامعة لمختلف المكونات التي تشكل بمجموعها الكلَّ السوريّ، وستتطور اللامركزية الديمقراطية عبر نموذج الفيدرالية بالشكل الذي يَسمحُ لعناصرِ وهوياتِ المكونات جميعها بالظهور والتطور والتعبير عن نفسها، وهنا تَبرِزُ مسألة التقسيمات الإدارية التي يجب أن تكون وفق الحقائق التاريخية وليس كما تمت قبل 2011 بمقصدِ إحداثِ تغييراتٍ ديموغرافيةٍ وتبدلاتٍ قيميةٍ في المجتمع وتغييرِ معالمه، فهدفُ قانون التقسيمات الإدارية المُقرِ في الاجتماع الثالث للمجلس التأسيسي لفيدرالية شمال سوريا؛ ليلتقي كلُّ جزءٌ بمكونه الاجتماعي والثقافي والسياسي المتمثل بهذا الجزء، ومن المؤكدِ بأنها تقسيماتٌ طبيعيةٌ تتناسبُ مع توزع المكونات والهويات. وبهذا الشكل فإن الفيدرالية ستغدو ضمانةً فعليةً للعيش المُشتركِ في الآن معاً، وذلك من خلال انتهاجها للسياسة الديمقراطية كبديلٍ عن السياسات الموجودة. فالسياسةُ الديمقراطيةُ تستند إلى إرادة الشعب في تحقيقِ الفيدرالية، لأنَّ المواطنة الحرة ستكون التعبيرَ العقليَّ والعمليَّ عن الإرادة الحرة لمجموع أفراد أيِّ مكون ولكل المكونات، وعلى هذا الأساس ستكون سوريا لكل المكونات رغم اختلافاتها وتمايزها، ومهداً يحتضن الجميع ويُمثلُ الجميع، واختيار الاسم الأصح لها بأن تكون “فيدرالية سوريا الديمقراطية” التي تُمثل كل مكوناتها، ولكلِّ منهم حقوقٌ وواجباتٌ يجري تحديدها في الدستور الديمقراطي. ويُعْتَبَرُ حزب الاتحاد الديمقراطي من خلالِ السياسة الديمقراطية التي ينتهجها ويلتزم بها استراتيجياً ذو تأثيرٍ فعّالٍ على إيجاد الحلول لجميع المشاكل التي تعانيها سوريا وعموم المنطقة. ويُعتبرُ تطبيقُ نظام الرئاسة المشتركة إحدى أهم الآليات الديمقراطية التي تَفرغ السياسات الفئوية التسلطية الرامية إلى تقويض دور المرأة ومنعها من القيامِ بأدوارها الطليعية.

3- بُعدُ العدالة الاجتماعية

يقومُ بُعدُ العدالة الاجتماعية بحلِّ المشاكلِ المعنية بالعدالة والحقوق الاجتماعية عن طريق مُشاركة الشعبِ وتنظيمه الذاتي. وترتكزُ إلى المبادئ الأخلاقية للمجتمع الديمقراطي. ويهدفُ إلى بناءِ مجتمعٍ يعتمد النهج الديمقراطي والبيئي المؤمنَ بحريةِ المرأة أساساً، ويتخذ من الحياة المجتمعية منطلقاً له، وينظم شؤنه على أساس المجتمع الديمقراطي. ويتم تحقيق العدالة عن طريقِ المشاركةِ الاجتماعية، وتنظيمِ الوحداتِ المحلية المُتشكلة بصورة ديمقراطية.

فإذا كانت مسألة الحقوق قد بدأت مجتمعية من خلال الأعرافِ والقيمِ والأخلاق الاجتماعية، فإنها مع الزمن وعَبرَ التطورات اللاحقة انزلقت نحو المتاهات التي دخلت فيها مسيرة الحضارة, ومع تطورِ الدولةِ كمفهومٍ وزيادة تأثيرها، امتدت نحو القيمِ الضابطةِ للمجتمعِ بِسنِّ الشرائعِ التي تتناسب مصالحها في كلِّ مرحلة عبرَ قوانين ودساتير معينة، حيثُ تحولت المؤسسة الحقوقية برُمَّتها مع الزمن إلى إدارةٍ لحماية شخصياتِ الدولةِ ومؤسساتها، وتحمي قوى السلبِ والنهبِ، وتحافظُ على أمنها ومشروعية ممارساتها، وتحاولُ إضفاءَ الصفة الشرعية عليها, وما المحاكمُ والقوانينُ والمراسيمُ والتشريعاتُ الاستثنائية التي طالت كلَّ مناحي الحياة إلا علاماتٍ بارزةٍ على تحولِّ هذه المؤسسة فعلياً إلى أداةِ قمعِ وقتلِ ونهبِ وسلبِ الشعوبِ بكاملها وإنكارها، وشَرَّعَتْ لمشاريع عنصرية نُفِّذَتْ بموجبها العديدُ  من الانتهاكات تحتَ اسم القانونِ والدستورِ والحقوق.

لذا نرمي هنا إلى ضرورةِ طرحِ وجهة النظر الديمقراطية للظاهرة الحقوقية في المرحلة القادمة؛ مؤكدينَ على أن “الأمة الديمقراطية” تستندُ على الأخلاق المجتمعية أكثر من الحقوق. وهذا يحتاج إلى تطوير المؤسسات الحقوقية، وتنظيم المجتمع وفقها، للضبط على ما هو موجودٌ في الدولة الراهنة لدفعها نحو التطبيق الديمقراطي الايجابي في الحقوق والدساتير الموجودة بما يتناسب مع المعايير الأخلاقية الوجدانية.

وكذلكّ يُعَبِّرُ عن الوضع القانوني لمشروع الفيدرالية الديمقراطية، حيثُ يجب أن ينعكس ذلك في الدستور والقوانين وُفقَ المعاهدات والمواثيق الدولية، فالقوانينُ يجب أن تُحَدَّدَ مضامينها وفقَ مبادئ الفيدرالية.

  • البُعدُ الاقتصادي

لم يعد خافياً على أحد ما آلت إليهِ الحالةُ الاقتصاديةُ في سوريا، حيثُ شرعنت الدولةُ مشروعية الاحتكار تحتَ شعاراتٍ قوميةٍ في إطارِ المؤسساتِ الحقوقيةِ والاقتصاديةِ والسياسيةِ والاجتماعيةِ التي استحدثت لتبرير عملياتِ السلبِ والنهب، ومنحِها مشروعيةً معينةً تمكنهم من الاستمرار في حماية مصالحهم. فالاحتلالُ الاقتصاديُّ أخطرُ أنواعِ الاحتلال، وأشدُّ الأساليبِ دكتاتوريةٍ في الايقاع بمجتمعٍ ما؛ وتقويضهِ وتفتيته. حيثُ كتمت أنفاسه، واخضعت حياته الاقتصادية للرقابة المشددة، وتمَّ الاستيلاءُ على أدواتهِ الاقتصادية وجعلت فيه النساء البانيات لصرحِ الاقتصادِ عاطلاتٍ عن العملِ كليّاً. وهكذا أصبحَ الأسرُ الاقتصاديُّ أفتكَ وسيلةٍ لإنكار الهوية والحرمانِ من الحرية.

لا يُقتصرُ النظامُ الاقتصاديُّ في الفيدرالية الديمقراطية على وقفِ هذه الممارسات الوحشية فحسب، بل يعمل أساساً على إعادة بسطِ المجتمع إدارته على الاقتصاد مجدداً. وشبهُ الاستقلال الاقتصاديِّ هو أدنى حدودَ الوفاقِ بين المركز والفدراليات التي تتشكل منها سوريا، فشبه الاستقلال الاقتصادي يعمل أساساً بموجب الصناعة الايكولوجية والاقتصاد الكومينالي؛ الذي يتحقق حينما تقومُ المرأةً بدورها التاريخي في هذا المجال، على اعتبارِ أنَّ كليهما انعكاساً للديمقراطية على حقل الاقتصاد. وشبهِ الاستقلال الاقتصادي للصناعة والتكنولوجيا والتنمية والملكية والاستقرار الريفي أو المديني يؤكد الايكولوجيا والمجتمع الديمقراطي. هذا ومحالٌ تركُ الاقتصاد ساحةً يتحقق عبرها الربح ومراكمة رأس المال. إلى جانب عدم رفضه السوق والتجارة وتنوع الإنتاج والرقابة والعطاء، إلا أنه لا يقبلُ إطلاقاً بنفوذِ الربح وتكديس رأس المال عليها، وثَمَّةَ داعٍ لأرضيةٍ قانونية لشبه الاستقلال الاقتصادي، فالرتابةُ والنزعةُ المركزيةُ الموجودتان في قوانين الدولة الحاكِمة تحتَ اسم وحدة القانون، إنما تُعَدُّ قيوداً تكبح جماح الإبداع الاقتصادي وتكبل الايكولوجيا والمنافسة، لذا وعِوَضاً عن مفهوم القانون هذا الذي يستند ضمناً إلى الاستعمار الاقتصادي، ثَمَّةَ حاجةٌ ماسةٌ إلى الاقتصاد المحلي وآلياته شبه المستقلة. أي أن ما يلزم هنا هو قانونٌ اقتصاديٌّ لا ينكر ظاهرة السوق الوطنية؛ لكنه يضعُ ديناميكيات السوق المحلية نَصبَ العين، في حينِ أنَّ نظام قانون المركز الواحد هو أشدُّ عواملِ التزمت، ويعتمد على ذرائع سياسية بحتة، ويخلو تماماً من المنطق الاقتصادي.

ستكونُ للفيدرالية الديمقراطية المتأسسة سياستها الاقتصادية، وكذلك سياسةً للموارد المحلية الباطنية والسطحية، وكيفية تحصيل الرسوم أو الضرائب، ومقدارها، وأوجه صرفِها. وبذلك ننشئُ نظامنا الاقتصاديَّ الاجتماعيَّ التشاركيَّ الخاصَ بكلِّ فيدرالية كما حال الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا. وتشجيع الملكية الخاصة البعيدة عن الاحتكار، والمُعتمدةِ على تطويرِ الاقتصاد المجتمعي، وخلقِ التوازنِ مع الملكية العامة.

  • البُعدُ الثقافيّ:

تكادُ تكونُ الثقافةُ أهمَّ الأسس والعوامل في بناء الديمقراطية، وليس خاطئاً أبداً مقولة بأن الديمقراطية بحدِّ ذاتها مسألةٌ ثقافيةٌ وسلوك، وهي تتسرب إلى كل مفاصل الحياة المجتمعية، وتحددُ طابعها العام. فالثقافة هي الحالة الروحية والمعنوية بكلِّ تفاصيلها للمجتمع. ليس سراً أنَّ الثقافة مثلها مثل كل الظواهر الأخرى أثرت وتأثرت بالواقع المُعاش, لكنها دائماً احتفظت بدورها الفاعلِ في تحديدِ التوجهاتِ العامةِ للمجتمع, ولهذا فإنَّ الأنظمةَ السياسية عملت جاهدةً بالتغلغلِ إلى هذه المنظومة لتشتيتها وقولبتها بما يتناسب مع مصالحها. يمكن أن نطلق على سوريا بأنها مهدُ الثقافات، لا بل أنها أرضُ الثقافات المختلفة البَنّاءة، ولهذا تعددت الثقافات واللغات مع تعددِ الحضاراتِ بشكلٍ رائعٍ باتت فيها ثقافةُ مُرَكَّبَةٌ من العديدِ من اللغات والثقافات في العمقِ التاريخيِّ والجغرافيِّ والحضاريِّ الأصيل. سوريا يجب أن تعودَ مرة أخرى إلى ثقافاتها الأصيلة.

إنَّ سوريا الجديدة يجب أن تَدْرُكَ هذهِ الحقيقة، وتكونَ قادرةً على احتضان هذا التنوع، وهذا ممكنٌ عبر فضاءات الحرية الثقافية. يكون قادراً على حماية التراث الموجود وتطويره لدمجه مع الحالة الديمقراطية. ومن جانبٍ آخر يستوجبُ رفضُ كلِّ أنواع الثقافات الشوفينية والتعصب الثقافي واللغوي والديني والاثني، والتعويضِ عنها بثقافة الحياة المشتركة.

نعلمُ بأنَّ ثقافةَ الشعوب في سوريا تعرضت للتشويه والإنكار والإقصاء المتعمدِ خلالَ سنواتٍ طويلةٍ وتحتَ شعاراتٍ قومية شوفينية، ويجبُ أن لا يغيب عن أذهاننا أنَّ عناصر الثقافة السورية بغالبيتها العُظمى هي عناصرٌ أصيلةٌ نشأت على هذه الأرض، وعليها وُلِدَتْ ثقافةُ وأعرافُ وتقاليدُ ولغاتُ المكونات السورية. لابدَّ من تنظيمِ كلِّ هذه العناصر بشكل حر من خلال مؤسسات المجتمع المدني المتنوعة، وعلى كل المستويات، وتوفيرُ الإمكانات اللازمة لها على المستويات المركزية واللامركزية، سوريا الوطن المشترك ستكون وطن كل الديانات والمذاهب واللغات والقناعات والحضارات المتعايشة جنباً إلى جنب كمكونات أصيلة بضمانات دستورية.

إنها باختصار ثورةٌ ثقافيةٌ ديمقراطيةٌ للتعدديةِ ضدَّ الأحادية والإنكار. هذه الثورة ستبلغ مسألة اعتماد اللغاتِ الأصيلة، لغاتٍ رسمية، وتمكينِ الشعبِ من تعلم لغته والتعليم بها، وكذلك ضرورة افتتاح الأكاديميات اللغوية والثقافية، وتطويرِ المراكز الثقافية.

لتعريفِ مجتمعٍ ما ثقافياً، يشترطُ تقييمهُ ضمن تكامل كلياتي على صعيد المؤسساتية والمعنى. بينما تُعرفُ كينونات البُنى على أنها مجموعُ المؤسسات المنفتحةِ للتحولِ والتطور، حينها يُمكنُ تعريفُ كينونات المعاني على أنها مستوى المعاني الغنية والمترابطة مع بعضها ضمن تلك المؤسسات. وكذلك يشملُ اللغةَ والتعليمَ باللغةِ الأم، وكذلكَ التاريخَ والفنون. وكيف يمكنُ تكوينُ ثقافة الأمة الديمقراطية، وتكوينُ سياسةٍ للتعليم، وكيفَ يُمكِن للكُردِ والمكوناتِ الاخرى تجاوز الإبادة الثقافية تماماً. وتطوير المجتمع من الناحية المعرفية والأخلاقية والعلمية التي تهدفُ لبناءِ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيّ.

  • بُعدُ الحماية والدفاع الذاتي:

لا شكَّ أنَّ كلَّ كائن وكل تكوين حي يمتلك آلية للدفاع عن النفس، وهذا الدفاع المشروع تُشَرعنهُ كافة الأعراف والقوانين الدولية، وحقوق الإنسان، ومعاهدات الأمم المتحدة. فمعَ تطورِ الحضارات ونشوءِ الدول وتزايدِ الصراع ظهرت الحاجة لمنظمات دفاعية خاصة تبلورت فيما بعد على شكلِ قواتٍ وجيوشٍ بدأت تأخذ أشكالاً عديدة تُمارسُ مهمةَ الدفاعِ عن المجتمع، وقد تحولت مع الزمن لأداةِ قمعٍ بيدِّ الأنظمة المتسلطة لدعم وترسيخ سياساتها ومصالحها خارجياً وداخلياً.

فالدفاعُ الذاتي والحماية الذاتية هو دفاعٌ مشروعٌ يَعتمدُ على تفعيلِ قوى المجتمع الذاتية بإرادة ذاتية، أي لا تنتظر موافقة الدولة أو دعمها أو توجيهاتها، ولهذا تكون المؤسسات الدفاعية المتنوعة مستقلةً إلى حدٍّ كبير. يُنظمُ عملها الدستور الديمقراطي.

ففي قيمة الانتماءِ وحتى تتحقق؛ لا بد للمجتمعِ أن يبني مؤسساته المجتمعية، أو ما يمكن أن تطلق عليها مؤسسات المجتمع المدني التي تعتمد على تنظيمِ المجتمع في كل الساحات، مع الأخذِ بعينِ الاعتبارِ أنه قد يتعرضُ لهجماتٍ من أنواعٍ شتى، تمتد من اللغة وصولاً إلى استهداف حياة المجتمع واقتصاده وأمنه وغيرها، ولهذا لا بدَّ من بناءٍ تنظيميٍّ على كل هذه المستويات لتمكين المجتمع من الدفاع عن عناصره الأساسية، وتطويره وتقدمه، وهنا تظهر إشكاليات عديدة في العلاقة بين الجزء والكل، بين الفيدراليات التي سَتُعتمدُ كأساسٍ لتشكيل سوريا الديمقراطية، بوصفها الوطن المشترك، وبين المؤسسات المركزية التي تمثل الكل مثلما هو عليه الحال من ضرورة اعتماد الهوية الثنائية، فأنَّ جميعَ المؤسسات التي تعملُ في إطارِ منظماتِ المجتمع المدني كوسائل حماية وتطوير ستتبعُ نفس التطبيقات. لابدَّ من تنظيم المؤسسات الدفاعية بما فيها مؤسسات القوة العسكرية والأمنية وُفقَ الشكل المُعتمدِ للوطن الديمقراطي الذي نرمي لبنائِه. أي سيكونُ لكلِّ فيدرالية مؤسساته الخاصة الذاتية، وسيكون للمركز ككل مؤسساته العامة ذات العلاقة. وهنا لا بدَّ من تنظيمِ العلاقةِ بينَ مؤسساتِ الدولة بوصفها مؤسسات على مستوى الوطن، وبين المؤسسات التي تمثل أجزاءً من فيدرالية سوريا التي يجب أن تُقَسَّمَ إدارياً دون المساسِ بوحدة البلاد وسيادته. وهنا سيحصلُ الدمجُ بين المركزية واللامركزية بشكلٍ مُتناغم. ما يسري على المؤسسات الأخرى يسري على المؤسسات العسكرية والأمنية، فكلُّ فيدرالية يمكنها لا بل ولا بد من تشكيل قواها الخاصة، ويجري تنظيم علاقتها مع المركز بقانون مثلها في ذلك مثل جميع المظاهر الأخرى التي تحتاج إلى تنظيم دقيق.

يمكننا تسميةُ ذلكَ بالبُعدِ الأمنيِّ أيضاً، أي إننا هنا نتناولُ الإبادةَ العرقية، كيف يمكنُ أن يقومَ المجتمعُ بحمايةِ نفسهِ من الأخطار التي تُهددُ وجوده، عليهم جعلَ ذلكَ أمراً ملموساً. وذلك على أن يقوم المجتمع بتشكيل مؤسسات الحماية ووحداته الدفاعية على أساس الدفاع المشروع ضد كافة محاولات الصهر والإبادة، وهذا حقٌّ طبيعيٌّ لكلِّ كائن حي. وبدون هذه الآلية لا يمكننا الحديث عن مجتمع أخلاقي وسياسي.

  • البُعدُ الدبلوماسيّ:

إنَّ الدبلوماسية في ما بين الدول القومية أصبحت أداةَ تلاعبٍ ومضاربة في ألاعيب الحرب، لقد باتت أداة لتهيئة أجواء الحروب، وليسَ لاستتبابِ السلم. أما في كنفِ مفاهيمِ الأمة الديمقراطية؛ فالدبلوماسية تعني أداةً لإرساء السلمِ والتعاضدِ والتبادلِ الخَلاقِ وحلِّ القضايا العالقة فيما بين المجتمعات، إنَّ دبلوماسية الأمة الديمقراطية وسيلةٌ لتكريسِ السلمِ والعلاقات المُفيدة، لا لإشعالِ فتيلِ الحروب، وهي تُعَبِّرُ عن وظيفة أخلاقية، وسياسية نبيلة وثمينة يؤديها الناس الحُكماء. كما أنها تؤدي دوراً هاماً في تأمين سيرورة المراحل التي تَدُرُّ بالنفع المُتبادل، وتعززُ علاقات الصداقة فيما بين الشعوب المتجاورة والأقارب على وجه الخصوص، كما تُعْتَبَرُ قوةَ أنشاءِ المجتمعات المُشتركة والتركيبات الجديدة لمجتمعاتٍ أرقى.

تستطيعُ الفيدراليات في سوريا لاحقاً واليوم متمثلة بالفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا أن تبني علاقاتها الدبلوماسية مع وحداتٍ أخرى على أن تحترم قوانين ودستور المركز. وكذلك التواصلَ مع كافةِ الأطراف، ومع القوى الديمقراطية في المجتمع السوري عامة، ومع المؤسسات المعنية بالقضية الكُردية. وتطويرِ العلاقات الدبلوماسية مع الأطراف الاقليمية والدولية والكُردستانية. وفي الظروف التي تَمرُّ بها سوريا؛ باتَ الشروعُ بتنفيذِ هذا المشروع أمراً ضرورياً بهدفِ حمايةِ المجتمعِ السوريِّ والكردستاني. واعتمادِ الدبلوماسية المجتمعية بالتوازن مع الدبلوماسية الرسمية.

خصائصُ الحلِّ الديمقراطي:

نظراً لواقع التجزئة الذي يُعاني منهُ الكُرد شعباً ووطناً، تُعدُ القضية الكُردية من أكثر القضايا تعقيداً في المنطقة، إن لم نقل في العالم كله. وتُعتبرُ هذه القضية بأبعادها وتداعياتها، محك الفكر والوعي الديمقراطي في الشرق الأوسط. بالتالي حلها كفيلٌ بنمو الوعي الديمقراطي والمؤسسات الديمقراطية في بلدان الشرق الأوسط الأربعة المعنية بالقضية الكُردية بشكل مباشر. وفيما يتعلق بسوريا بالذات، فالنضال المستمرُ منذ ما يزيد عن ربع قرن, قد أحدث تغييرات كبيرة في المجتمع الكُردي، سواء على الصعيد الاجتماعي والثقافي والسياسي والتنظيمي، أو في الوعي والممارسة الديمقراطية. إن البحثَ في خصائص التحرر الديمقراطي الحاصل يتطلبُ تحديدَ الآفاق التاريخية التي تتشكل فيها، والمشاكل الرئيسية التي يجب أن تحلها وتعالجها. بناءً عليه؛ يتميزُ نضالُ الحلِّ الديمقراطي، الذي يخوضه حزبنا بهدفِ إعادةِ البناء؛ بجانبين رئيسيين:

الأول: دمقرطة العملية السياسية على مستوى المجتمع والدولة. ويتضمنُ هذا الجانب بناء المجتمع الأخلاقي والسياسة الديمقراطية، بدءاً من الكومونات إلى الإدارات المحلية وصولاً إلى أعلى مؤسسة إدارية في المجتمع، وعلى مستويات الفيدراليات في سوريا. وتوطيدِ وترسيخِ النضالِ السياسيِّ على أساس الاعتراف بالآخر، واحترام التباين والاختلاف، بالإضافة إلى تنظيم حياة الفرد والمجتمع بموجب ذلك. وخلق اقتصادٍ مجتمعيٍّ مُنتجٍ يتخذ من الإنتاج المشتركِ والمنفعةِ المشتركةِ التي تعتمدُ على تلبيةِ وتأمينِ احتياجاتِ المجتمعِ والفرد وفقَ مبدأِ الاكتفاء الذاتي. وبما أنَّ المجتمعَ الأخلاقيَّ والسياسيَّ الديمقراطيّ مجتمعٌ يقوم على حرية المرأة، فهو ينهي مفهوم الهيمنة الذكورية، التي هي أساسُ احتكارِ السلطةِ عبرَ التاريخ، ويؤمنُ بطليعة المرأة في السياسية الديمقراطية، ومشاركتها في كافة ميادين الحياة الاجتماعية، وتفعيلِ دورها على أساسِ الحريةِ والمساواةِ والعدالة، باعتبارها ركناً أساسياً في تطويرِ وبناءِ المجتمعِ الحرِّ العادل.

الجانب الثاني: الحل الديمقراطي يتضمن حلَّ القضية الكُردية على أساسِ الفيدرالية الديمقراطية، كما في صيغة الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا ضمن إطار سوريا ديمقراطية موحدة. ويتلخص هذا الحل في النقاط التالية:

1 – فيدرالية سوريا الديمقراطية يُعتبرُ الحلَّ الأمثلَ للأزمة السورية.

2 – حل القضية الكُردية على أساس الفيدرالية الديمقراطية. وضمان الحل وفق الدستور الديمقراطي.

3 – تحقيق الوحدة الوطنية في المجتمع الكُردستاني، وتحقيق ذلك يعني بمثابة دمقرطة الشرق الأوسط، وترسيخ الأمن والاستقرار فيه.

4 – تمتين العلاقات مع القوى السياسية والاجتماعية والديمقراطية في سوريا والشرق الأوسط والعالم.

وبما أنَّ النضالَ الديمقراطيَّ يتسمُ باعتماده على القاعدة الجماهيرية بمختلف فئاتها وشرائحها، ويتميز بأساليبه النضالية الديمقراطية والسياسية السلمية، لذا، يستلزم تفعيل كافة الطاقات الشعبية الديمقراطية، وتبنّي النشاطات الديمقراطية السلمية، بدءاً من العمليات الجماهيرية الديمقراطية “النشاطات الثقافية والتوعية السياسية والاجتماعية والفكرية والتعليمية والتربوية”، وحتى “الاعتصامات والتظاهرات الجماهيرية والشعبية السلمية, والمستندة إلى حق الحماية الذاتية كحق مشروع للدفاع عن الوجود”. ذلك أنه لا يمكن تحقيق التحرر الديمقراطي، وكسب الحقوق الوطنية والديمقراطية المشروعة، إلا من خلال بناء الإدارة السياسية المجتمعية في إطار العمل السياسي السلمي بمشاركة جميع القوى الاجتماعية والسياسية الديمقراطية، والاستنادِ على نهج الأمة الديمقراطية ووسائلها. تُعتبرُ المرأة والشبيبة قوتان طليعيتان في مسيرة التحرر الديمقراطي. فبينما تُشيرُ طليعية المرأة إلى توطيد نهج الحرية والديمقراطية باعتبارها الأكثرَ تعرضاً للاستعبادِ والقهرِ عبرَ تاريخ المدنية، وهي بذلكَ تُمثلُ القوة الرئيسية المُناهِضة للنظمِ السلطوية والدولتية، فإنَّ طليعية الشبيبة تتضمنُ الديناميكية والحيوية، وتُمثلُ روحَ التجددِ لدى المُجتمع الإنساني. إلى جانبِ هاتين القوتين الأساسيتين ستشاركُ جميعُ الفئاتِ والشرائحِ الاجتماعيةِ في العملية الديمقراطية بشكلٍ فعَّال، عبرَ تنظيمِ مؤسساتها الديمقراطية، وتطويرِ المنظماتِ الديمقراطيةِ للمجتمعِ المدني.

إنَّ الطليعة الحزبية السليمة تقودُ إلى خلقِ التطوراتِ حتى في أحلكِ الظروف، في حينِ أنَّ أيَّ خللٍ أو عطبٍ أو انحرافٍ في الطليعة الحزبية يجلبُ معه دماراً وتخريبات جادة. أما انعدامُ مثلُ هذه الطليعة، وغيابُ الحزب الطليعيِّ والمُضحي خلال مرحلة التحرر الديمقراطي، فيؤدي إلى التشتتِ والتبعثرِ والانحلالِ والاهتراء. من هنا فإنَّ الطليعة الحزبية شرطٌ أوليٌّ لا غنى عنه لتحقيق الديمقراطية. وحزبنا “حزب الاتحاد الديمقراطي PYD” يتمتعُ بالدورُ الطليعيِّ في هذا النضال الديمقراطي. ويهدفُ إلى تحقيقِ العيشِ المشتركِ بين كافة المكونات السورية، على أساسِ الاتحادِ الحرِّ الطوعي، من خلالِ تفعيلِ وتنظيمِ ديناميكيات شعبنا في روج آفا وسوريا، في إطارِ سياسةِ التحرر الديمقراطي الوطني، وفي سبيلِ بناءِ سوريا فيدرالية ديمقراطية تتجسد فيها مصالحُ جميعِ مكوناتِ شعبِ سوريا والشرائح الاجتماعية الموجودة على هذه الجغرافية. وتحقيقِ الوحدةِ الوطنية الكُردستانية على أساسِ الكونفدرالية الديمقراطية.

أهدافُ الحزب

يتخذُ حزبنا؛ حزب الاتحاد الديمقراطي PYD من الحضارة الديمقراطية وفلسفة القائد عبدالله أوجلان في الأمة الديمقراطية أساساً لحلِّ القضيةِ الكُردية وقضيةِ التحولِ الديمقراطيِّ في سوريا عموماً، ويهدفُ إلى تحقيقِ الفيدرالية الديمقراطية في مسارِ تأسيسِ المجتمعِ الأخلاقيِّ السياسيِّ الديمقراطيّ وحرية المرأة، المتمثلِ في نظامِ الأمةِ الديمقراطية، الذي يهدفُ إلى ترسيخِ الديمقراطية الجذرية في المجتمع الإيكولوجي. من أجلِ هذا؛ يهدفُ حزبنا إلى مستوياتٍ من الأهداف يسعى إلى تحقيقها من خلال النضال السياسي في روج آفا وسوريا:

أ ـ الأهداف السياسية:

  • النضال وُفقَ السُبلِ والوسائلِ السلميةِ السياسيةِ والدبلوماسية والقانونية لحريةِ القائد أوجلان؛ نظراً لتأثيرهِ الكبيرِ في تحقيقِ الأمن والاستقرار في المنطقة، وبأنَّ فلسفته تحولّت إلى براديغما للشعوب الحرة في الشرق الأوسط، كما في مثال ثورة روج آفا؛ فكانت ضد الإرهاب وفي الوقت نفسه البديل الديمقراطي للأنظمة الاستبدادية.
  • الانتقالَ من نظامِ الجمهورية العربية السورية وأركانِ سلطتها المركزية المُطلقة التي تأسست على بنية أيديولوجية وسياسية ذات صبغة أحادية عروبية إلى فيدرالية سوريا الديمقراطية.
  • الانتقال الى نظام فيدرالي ديمقراطي برلماني  في سوريا.
  • العمل على فصلِ السلطاتِ “التشريعية والتنفيذية والقضائية”، وتكاملها فيما بينها دون تدخلِ أيٍّ منها في شؤون الأخرى.
  • القيام بما يلزم كي يكونَ لمجلسِ سوريا الديمقراطية الدورَ الرياديَّ في سوريا المستقبل.
  • النضال لترسيخ نموذج الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا في أن يُصبحَ نموذجاً لسوريا.
  • إعادةُ تأسيسِ البُنى الاجتماعية ومحاربة كافةِ المفاهيمِ والمواقفِ التي تعيقُ التغييرَ المجتمعيَّ والتحولَ الديمقراطيّ.
  • حرية المرأة ضمانُ حريةِ المجتمع. وعليهِ يلتزمُ حزبنا بالعمل على محاربة الذهنية السلطوية التي تقفُ عائقاً أمام ذلك.
  • العمل على تحقيق الوحدة الوطنية في المجتمعِ الكُردستاني، في روج آفا، وباكور وروج هلات وباشور.
  • المجتمعُ السياسيُّ والأخلاقيُّ هو المجتمعُ الحر، وهو الأساسُ في الممارسة العملية لنضالنا السياسي الديمقراطي.
  • العمل على جعل الأخلاق الوطنية وحب الوطن والشعب هي الركيزة في خدمة الوطن والمجتمع، ومناهضة الارتزاق التي تضعف ثقة المجتمع والشعب ومن تلاحمه.
  • العمل على نشر ثقافة حرية الرأي والتعبير والإعلام والتنظيم ضمن المجتمع.
  • تعتبرُ حرية الفرد والمجتمع وحقوق الإنسان وفق المعايير والمواثيق الدولية فوقَ كلِّ اعتبار والعمل على تمتينها.
  • العمل على أن تكون المواطنة في فيدرالية سوريا الديمقراطية هي المواطنة الحرة، يكونُ فيها التعذيب النفسيُّ والجسديُّ ممنوعاً، وإلغاء عقوبة الإعدام، ومحاربة الهجرة والعمل على تقويض الأسباب التي تؤدي إليها.

ب ـ الأهدافُ الاجتماعية:

يرى حزبنا حزب الاتحاد الديمقراطي PYD أنَّ قضايا المرأة، العائلة، الشباب، الأخلاق، الدين، الصحة والتعليم تُشكلُ جوهرَ تنظيمِ الميدانِ الاجتماعي. وهي تُعاني من أزماتٍ جذرية، حيث تتواجدُ بينَ فكي كماشة فيما بين ضغوط سياسية فوقية واقتصادية تحتية، فتحولت إلى جسدٍ مريض. هكذا يحاولُ النظامُ الحاكمُ والقائمُ في عموم الشرق الأوسط  سَلبَ إرادةِ المجتمع.

لذلك؛ يهدفُ حزبنا إلى تحرير وتطوير الميدان الاجتماعي عبر تنظيم وتأسيس المنظمات المجتمعية على أساس تشكيل نظام ديمقراطي جذري ونظام اقتصادي عادل.

على هذا الأساس، يهدف حزبنا إلى:

1- مناهضة التعصب الديني وتحقيق حرية ممارسة العقائد والشعائر الدينية، ونشر ثقافة التسامح الديني، وضمان حق كافة الأديان والمذاهب في ممارسة ديانتهم واحترامها.

    2 ـ فصل الدين عن السلطة السياسية ليلعبَ دورهُ ووظيفتهُ الأخلاقية والاجتماعية والثقافية في المجتمع. إذْ يجب أن يُمثل الدين الجوهر الأخلاقي والمعنوي والوجداني للمجتمع في إطار علاقة العلم والفلسفة والدين ببعضها البعض.

3 ـ تطوير نظام توعية مجتمعية شاملة لخلق فرد مُفعم بالأخلاق الديمقراطية المُعاصِرة، ويعي مسؤولياته تجاهَ المجتمع.

4 – العمل على تطوير الوعي الإيكولوجي في المجتمع، ودعم ومساندة المنظمات الإيكولوجية وتنشيطها لتلعب دورها.

5 – تنظيم المجتمع المدني الديمقراطي، وتوعية المجتمع من الناحية الأخلاقية، وتطوير نظام حقوقي شفاف يضمن حماية الفرد والمجتمع تجاه تحاملِ السلطة وانتهاكاتها من جهة، ويؤمِّن التوازن الأمثل فيما بين الفرد والمجتمع، وتحقيق مجتمعٍ يسودهُ العدالة المجتمعية.

6 – العمل على تطوير مؤسسة العائلة على أساسِ دمقرطتها.

  • ـ مكافحةُ عمالةِ الأطفال، وتطوير تنشئةٍ سليمةٍ من أجل رفع الضغوط الجسدية والنفسية عن الأطفال. واتخاذ تدابير خاصة لصحة وتعليم الأطفال وفق ميثاق الأمم المتحدة المُتعلق بالطفولة ومنظمة اليونسيف.
  • ترسيخ الديمقراطية والمساواة في العائلة عبر آليات العدالة الاجتماعية المتعلقة بالمجالات “الصحية, الفكرية, الاقتصادية،” لإزالة المشاكل التي تُعاني منها الأسرة.
  • تطوير رعاية خاصة بالمسنين، وإنشاء مراكز للعناية بهم من قِبلِ المجتمع ومؤسساته، وتأمين الدعم المادي والمعنوي لذلك. والاستفادة من تجاربهم وخبراتهم في الحياة وتقديم كافة أشكال الدعم المادي والمعنوي لهم.
  • من أجل حرية المرأة:

1 ـ مكافحةُ كافةِ أشكالِ العنفِ ضدَّ المرأة وظواهر استغلالها، واعتبارِ ذلكَ جريمة لا بدَّ من إزالتها، واتخاذِ التدابير القانونية والإدارية اللازمة تجاهها وفق قوانين المرأة.

2 ـ تطوير نظام تعليمي وتدريبي للمجتمع، وتوعيته لتجاوز العقلية السلطوية الذكورية والتمييز بين الجنسين، بهدف ترسيخ وتطوير نهج حرية المرأة.

3 ـ تنظيم مؤسسات المرأة والفروع الخاصة بها دعماً وتطويراً لحرية المرأة، بحيث تكون متمتعة باستقلاليتها وتدير نفسها وفق خصوصيتها.

  • – العمل من أجل حماية وتطوير مكتسبات ثورة المرأة في روج آفا وسوريا.

5- دعم ومساندة نضال المرأة في سوريا والمنطقة والعالم.

6- العمل على تطوير وتمكين دور المرأة الطليعي في النضال الدبلوماسي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي.

  • من أجل الشبيبة:

1 – العمل على تطوير وتنظيم الشبيبة وتدريبهم؛ ليقوموا بدورهم الطليعي في بناء المجتمع السياسي الأخلاقي.

2 ـ مكافحة المفاهيم والمواقف والسياسات الرامية إلى نشر الانحلال الخلقي والانهيار المعنوي، والتصدي لممارسات الحرب الخاصة “المخدرات، والمنظمات الإرهابية، التحريف العقائدي لأهداف خاصة”.

3 – تطوير نظام اجتماعي بحيثُ يقومُ بتفعيلِ دورِ الشبيبة في السياسة الديمقراطية، ويعملُ على تطويرهم فكرياً وجسدياً وثقافياً.

4- إفساحُ المجالِ أمامَ التطورِ الحرِّ للشبيبة كشريحة طليعية للمجتمع، ومناهضةُ كافةِ السُبُلِ الهادفةِ إلى صَهرِ الثقافةِ الحرةِ للشبيبة في بوتقة القوى المهيمنة وحربها الخاصة.

  • – العملُ على ايقافِ اغترابِ وهجرة الشبيبة من مناطقها، والحثِّ على عودتهم إلى الوطن.

6-التأكيد على الدور الطليعي للشبيبة في حماية المجتمع وقيمه والدفاعِ عنه.

جـ ـ الأهدافُ الاقتصادية:

إنَّ السياساتَ الاقتصادية المُستندة على الربح؛ أدت إلى تدهورٍ في البنية الاجتماعية والطبيعية. وازدياد المسافةِ بين الطبقاتِ الاجتماعيةِ وتطفلِ الطبقةِ البرجوازية واستغلالها لكدح الطبقات العاملة في المجتمع. لذا؛ يجبُ الانتقالُ من مجالِ الاقتصادِ المُعتمدِ على الاستغلال والربحِ السريع, إلى المجالِ الاقتصاديِّ التشاركيِّ الاجتماعيِّ المرتكزِ على الإنتاجِ المتناسبِ مع تأمين احتياجات المجتمعِ والفرد.

ومن أجل هذا، يهدف حزبنا إلى:

1 ـ رسم السياسة الاقتصادية في سوريا، بحيث تضمن التكافؤَ والتوزيعَ العادلَ للدخل الوطني، لإنهاءِ التفاوتِ والفقرِ والبطالة، وتحقيقِ الرفاهِ الاجتماعي، وتطويرِ مشاريعَ خاصة من أجل ذلك.

2 ـ النضالُ ضدَّ الاحتكار، وإنهاءِ فئة السماسرة والطفيليين المُحتكرين، وتقليصِ النفقاتِ البيروقراطية للإدارات وتحويلها إلى مؤسسات الخدمات الصحية والاجتماعية والتعليمية.

3 ـ تنظيم قانون للضرائب؛ يأخذُ بعينِ الاعتبارِ تفاوتَ دخلِ الأفراد, وتنظيمِ القوانين الجمركية لخلقِ نظامٍ تجاريٍّ متوازن.

4 ـ إفساحِ المجالِ لتطوُّرِ المِهَنِ والحِرَفِ الصناعيةِ والمهاراتِ الفردية.

5 ـ اتخاذ تدابير سياسية وإدارية تجاه الإنتاج الرأسمالي الذي يؤدي إلى تخريب البيئة، والإخلال في التوازن بين المجتمع والطبيعة، وذلك بتأسيسِ منظماتٍ خاصةٍ لحماية البيئة والمجتمع من هذه التأثيرات.

  • – تأمينُ مجالاتِ العملِ لمكافحةِ البطالة، بغرضِ الحدِّ من استغلالهم كَيَدٍّ عاملة رخيصة في المدن الكبرى.
  • – العمل على توعية المرأة ومشاركتها البَنّاءة في المجتمع. وتضمينُ دورِ المرأةِ في الاقتصادِ الكومينالي ضمنَ آلياتِ العملِ الاقتصادية.

8 – تطويرِ المؤسساتِ الإنتاجيةِ التشاركيةِ في المجتمع.

9 – تخديمُ المناطقِ الأثريةِ وحمايتها؛ بهدفِ تشجيعِ السياحةِ وإقامةِ المُنشآتِ السياحية فيها.

10 – التوزيعُ العادلُ لكافة الثروات في سوريا على كافة الفيدراليات بشكلٍ متكافئٍ وعادل.

11- دعمُ الانتاجِ الزراعيِّ والثروةِ الحيوانيةِ كمقوماتٍ أساسيةٍ في بناءِ الاقتصاد المجتمعي.

د ـ بِصددِ حقوقِ الإنسان  والعدالة الاجتماعية في سوريا:

الأزمةُ السوريةُ في جانبٍ مهمٍ منها تؤكدُ بأنَّ سوريا كانت تعيش في وضعٍ تغيبُ فيه الحقوقُ بشكلٍ مُريب، وتتجاهلُ كلُّ المعاهداتِ والمواثيقِ الدولية التي وقعت عليها. بينما لابدَّ من مواكبةِ العصرِ في العملِ بالمعاييرِ الحقوقيةِ الدوليةِ لاستتبابِ الأمنِ والاستقرار، وخلقِ مجتمعٍ يتمتعُ فيهِ الفردُ بحريةِ الرأيِّ والتعبير وحقوقه الطبيعية القانونية، وتحقيقِ العدالةِ الاجتماعية والمساواة في إطار مجتمعٍ أخلاقيٍّ ديمقراطي. وهذا غيرُ ممكن دونَ خلقِ فردٍ حرٍّ يتمتعُ بكاملِ حقوقه.

من أجلِ هذا، يهدفُ حزبنا إلى:

1 ـ التزامِ سوريا بالمبادئ والمعاهدات الدولية بشأنِ حقوقِ الإنسانِ وتطبيقها على أرضِ الواقع.

2 ـ ضمانُ الحريات السياسية والدينية والفكرية وحريةِ الرأي.

3 ـ إلغاءُ عقوبةِ الإعدام.

4 ـ العملُ من أجلِ تطويرِ عملِ المنظماتِ المدنيةِ لحقوقِ الإنسان، وتشجيعها وتفعيلِ دورها.

5 ـ رفضُ جميعِ القوانينِ التعسفيةِ التي تهدفُ إلى التمييزِ على أساسِ العرقِ والدين، والمراسيمُ الاستثنائية مثلَ الإحصاء العنصريّ، وما يُسمى بالحزامِ العربيّ، واستقدام الوافدين بقرارٍ سياسي؛ والتي تمت من قِبَلِ النظامِ الاستبداديّ، والعملِ على حلها بقرارٍ سياسيٍّ شاملٍ يتمُ تسويةُ أوضاعِ المتضررينَ بشكلٍ عادل.

6– النضالُ من أجلِ ترسيخِ حقوقِ الأطرِ الثلاثة (القضائية والتشريعية والتنفيذية)، وتوطيدها على أرض ِالواقع.

7- العملُ على كشفِ مصيرِ المفقودين.

 ـ بصددِ بناءِ العلاقاتِ والتحالفات:

منْ أجلِ تحقيقِ تحولٍ ديمقراطيٍّ حقيقيّ، يُناضلُ حزبنا لتحقيقِ توافقٍ وجميعِ الأحزابِ والحركاتِ والمؤسساتِ الديمقراطية والقوى الشعبية في أنْ يضمَّ جميعَ الفئات والشخصيات الديمقراطية، وذلكَ لتوسيعِ الجبهةِ الديمقراطيةِ من أجلِ بناءِ دولةِ سوريا الفيدرالية، وفي الوقتِ نفسهِ تحقيقُ الوحدةِ الوطنيةِ الكُردستانية. وكونَ روج آفا تحتلُ مكانةً هامةً في هذا المضمار، علينا تعزيزُ علاقاتِنا مع القوى الحليفة العربية والكُردية والسريانية والآشورية والتركمان والشركس والأرمن وغيرهم، بِغضِّ النظرِ عن انتماءاتها ومذاهبها، وذلكَ في إطارِ خدمةِ مصالحِ الشعوبِ والعيشِ المُشترك.

بناءً عليه؛ يهدفُ حزبنا إلى:

1 ـ تطويرُ العلاقاتِ مع الحركاتِ والتنظيماتِ الديمقراطيةِ العربيةِ في سوريا، واتخاذِ الحوارِ أساساً في حلِّ القضايا، وفي مقدمتها القضية الكُردية.

2 ـ العملُ على تعزيزِ العلاقاتِ والتحالفاتِ مع الأحزابِ الكُرديةِ في روج آفاي كُردستان، والنضالُ منْ أجلِ توحيدِ الصفِّ الكُرديِّ في إطارِ برامجَ سياسية ديمقراطية وطنية.

3 ـ تعزيزُ العيشِ المشتركِ مع الشعوبِ في سوريا “العرب، الأرمن، الآشور، التركمان، الشركس، السريان, الدروز… وغيرهم” على أسسِ الأمةِ الديمقراطية.

4 ـ تطويرُ العلاقاتِ مع الحركاتِ والمؤسساتِ الداعيةِ للديمقراطيةِ في البُلدانِ العربية والشرق الأوسط والعالم. وخاصةً المنظماتُ والأحزابُ المُدافعةُ عن حقِّ الشعوبِ في تقريرِ مصيرها.

5- تطويرُ العلاقاتِ مع القوى والأحزاب في مؤتمرِ الاشتراكيّة الدوليّة.

6- العملُ على عَقدِ المؤتمرِ الوطنيِّ الكُردستانيّ ليكونَ الجهةَ العُليا والمسؤولة عن رسمِ السياساتِ الوطنيةِ الكُردستانية.

7– العملُ على تعزيزِ العلاقاتِ مع حركاتِ المرأةِ ومنظماتِ حقوقِ المرأةِ والمُدافِعةِ عنها والحركاتِ الفامينيه. ودعمِ ومساندةِ نضالاتها في إطارِ نهجِ حريةِ المرأة.

8- العملُ على تعزيزِ العلاقاتِ مع منظماتِ وحركاتِ الشبيبة في المجتمعِ الكُردستانيِّ والسوريِّ والإقليميِّ والعالميّ.

9 ـ تعزيزُ العلاقاتِ مع القوى الديمقراطية الدولية، والتضامنُ مع الحركاتِ المُناهضةِ للديكتاتورية والعنصرية.

10 ـ تطويرُ العلاقاتِ مع منظماتِ حمايةِ البيئة ومنظماتِ المجتمعِ المدنيِّ وحقوقِ الإنسانِ العالمية، ومع الحركاتِ الديمقراطيةِ والاشتراكية والإنسانية، على أنْ تكونَ في خدمةِ حمايةِ حقوقِ الشعوب.